ذكرى اتفاقية 11 آذار 1970: محطة فارقة في تاريخ العراق وكردستان
تعد ذكرى توقيع اتفاقية 11 آذار 1970، والمعروفة أيضاً بـ "بيان آذار"، واحدة من أهم المحطات التاريخية والسياسية في تاريخ العراق الحديث بشكل عام، وفي تاريخ الشعب الكردي بشكل خاص. تمثل هذه الذكرى السنوية اللحظة التي اعترفت فيها الحكومة المركزية في بغداد لأول مرة رسمياً بالحقوق القومية للأكراد ومنحهم الحكم الذاتي داخل الدولة العراقية. إنها ذكرى تجسد آمال السلام، ونضال العقود، والاعتراف بالهوية الثقافية والسياسية لمكون أساسي من مكونات الشعب العراقي.
ما يميز هذا اليوم هو قيمته الرمزية العالية؛ فهو لا يمثل مجرد وثيقة قانونية أو سياسية وُقعت في الماضي، بل يُنظر إليه كـ "انتصار واضح لا يقبل الجدل" للمطالب الكردية المشروعة. في هذا اليوم، يتذكر العراقيون، وخاصة في إقليم كردستان، كيف أدت سنوات من الصراع المسلح والمفاوضات الشاقة إلى اعتراف رسمي باللغة الكردية كلغة رسمية إلى جانب العربية، وإقرار حق الأكراد في إدارة شؤونهم ضمن ثلاث محافظات رئيسية. ورغم أن الاتفاقية واجهت عقبات جمة ولم تُنفذ بالكامل في حينها، إلا أنها وضعت اللبنات الأساسية لما يُعرف اليوم بإقليم كردستان العراق.
تتجلى خصوصية هذا اليوم في كونه يمزج بين مشاعر الفخر بالمنجزات التاريخية وبين التأمل في التحديات التي واجهت بناء الدولة العراقية التعددية. إنه يوم لاستحضار ذكرى القادة الذين فاوضوا من أجل السلام، وعلى رأسهم الملا مصطفى بارزاني، وللتأكيد على قيم التعايش والشراكة الوطنية التي كانت تهدف إليها الاتفاقية. بالنسبة للكثيرين، تظل روح اتفاقية 11 آذار حية في الطموحات الحالية لتعزيز الديمقراطية والفيدرالية في العراق.
متى تصادف الذكرى في عام 2026؟
يتم إحياء هذه الذكرى سنوياً في موعد ثابت من كل عام، وهو الحادي عشر من شهر آذار (مارس). وفي العام المقبل، ستكون تفاصيل الموعد كما يلي:
يصادف هذا اليوم: Wednesday
التاريخ: March 11, 2026
الوقت المتبقي: بقي 67 يوماً على حلول هذه الذكرى الوطنية المهمة.
تعتبر هذه المناسبة من التواريخ الثابتة في التقويم السنوي لإقليم كردستان العراق، حيث لا يتغير موعدها بتغير السنين، مما يتيح للمؤسسات والمواطنين الاستعداد لإقامة الفعاليات والندوات المرتبطة بها في وقت مبكر.
الجذور التاريخية والسياسية لاتفاقية 11 آذار
لفهم أهمية هذا اليوم، يجب العودة إلى السياق التاريخي الذي سبقه. منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، شهدت المناطق الشمالية (كردستان) سلسلة من الثورات والانتفاضات المطالبة بالحقوق القومية والإدارية. بلغت هذه التوترات ذروتها في ستينيات القرن الماضي مع اندلاع ثورة أيلول عام 1961 بقيادة الملا مصطفى بارزاني.
بعد سنوات من القتال المنهك للطرفين، وصلت الحكومة العراقية (التي كان يقودها آنذاك حزب البعث وكان صدام حسين نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة وفاوض بنفسه على الاتفاق) والقيادة الكردية إلى قناعة بأن الحل العسكري غير ممكن. أسفرت المفاوضات المكثفة عن إعلان "بيان 11 آذار 1970".
تضمن الاتفاق بنوداً ثورية بمقاييس ذلك الوقت، منها:
- الحكم الذاتي: منح الأكراد حكماً ذاتياً في المناطق التي يشكلون فيها أغلبية.
- اللغة الرسمية: اعتبار اللغة الكردية لغة رسمية في المناطق الكردية ولغة ثانية في عموم العراق.
- المشاركة السياسية: تمثيل الأكراد في الحكومة والمناصب العليا والجيش.
- التنمية الاقتصادية: خطة لتطوير المناطق الكردية التي عانت من ويلات الحرب.
ومع ذلك، بقيت قضية مدينة كركوك "عقدة المنشار"، حيث تم الاتفاق على إجراء إحصاء سكري لتحديد هويتها الإدارية، وهو الأمر الذي تم تسويفه لاحقاً، مما أدى في نهاية المطاف إلى انهيار الاتفاقية في عام 1974 وعودة الصراع المسلح. ورغم هذا الفشل، تظل الاتفاقية الوثيقة الأم التي استندت إليها كافة المطالب الكردية اللاحقة، بما في ذلك انتفاضة عام 1991 وتشكيل حكومة إقليم كردستان الحالية بعد عام 2003.
كيف يتم إحياء هذه الذكرى في العراق؟
تتسم الاحتفالات بذكرى 11 آذار بطابع وطني، رسمي وشعبي، يتركز بشكل أساسي في محافظات إقليم كردستان (أربيل، السليمانية، دهوك، وحلبجة).
الفعاليات الرسمية والخطابات
يقوم كبار القادة في إقليم كردستان، مثل رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني ورئيس الحكومة مسرور بارزاني، بإلقاء خطابات رسمية بهذه المناسبة. تركز هذه الخطابات عادة على:
التذكير بتضحيات الشعب الكردي ونضاله من أجل نيل حقوقه.
التأكيد على أن اتفاقية 11 آذار كانت اعترافاً دولياً وإقليمياً بشرعية القضية الكردية.
ربط دروس الماضي بالتحديات السياسية الراهنة بين أربيل وبغداد.
الدعوة إلى الوحدة الوطنية والحوار لحل المشاكل العالقة ضمن إطار الدستور.
التجمعات الشعبية في أربيل
تعتبر قلعة أربيل التاريخية، وهي أقدم قلعة مأهولة في العالم، المركز النابض للاحتفالات. يجتمع آلاف المواطنين في الساحات المحيطة بالقلعة، حيث تُرفع الأعلام الكردية وتُعزف الأناشيد الوطنية. يرتدي الكثيرون الزي الكردي التقليدي تعبيراً عن الهوية والاعتزاز بالانتماء.
الأنشطة الثقافية والتربوية
في المدارس والجامعات: تُخصص حصص دراسية أو ندوات للحديث عن تاريخ الاتفاقية وأهميتها للأجيال الشابة، لضمان استمرارية الذاكرة التاريخية.
المعارض الفنية: تُقام معارض للصور الفوتوغرافية والوثائق التاريخية التي تؤرخ لفترة المفاوضات ولحظة توقيع الاتفاقية.
البرامج التلفزيونية: تبث القنوات المحلية برامج وثائقية ولقاءات مع معاصرين لتلك الحقبة لاستعادة تفاصيل الأيام التي تلت إعلان البيان.
التقاليد والعادات المرتبطة باليوم
بينما يغلب الطابع السياسي والوطني على اليوم، إلا أن هناك لمسات اجتماعية تميزه:
- ارتداء الزي القومي: يحرص الرجال والنساء والأطفال على ارتداء "الزي الكردي" الملون والمطرز، مما يحول الشوارع إلى لوحات فنية حية.
- الأغاني الثورية والوطنية: تصدح مكبرات الصوت في الأسواق والأماكن العامة بالأغاني التي تمجد النضال الكردي وتشيد بالسلام.
- زيارة النصب التذكارية: تتوجه بعض العائلات لزيارة أضرحة الشهداء أو النصب التذكارية المرتبطة بالثورة الكردية، كنوع من الوفاء لمن ضحوا من أجل الوصول إلى تلك اللحظة التاريخية.
نصائح ومعلومات عملية للزوار والمغتربين
إذا كنت تتواجد في العراق، وتحديداً في إقليم كردستان، خلال شهر آذار، فإليك ما يجب أن تعرفه عن هذه المناسبة:
الأجواء العامة: ستجد أجواءً مفعمة بالوطنية والفخر. من الجيد إظهار الاحترام لهذه المشاعر. يُنصح بتجنب الدخول في نقاشات سياسية حادة حول إخفاقات الماضي أو الخلافات الحالية، وبدلاً من ذلك، ركز على الجانب الثقافي والتاريخي للمناسبة.
المواقع الرئيسية: إذا أردت تجربة العمق الحقيقي لهذه الذكرى، فتوجه إلى وسط مدينة أربيل (منطقة القلعة والسوق العصري). هناك ستشهد ذروة الاحتفالات الشعبية.
التصوير: المناسبة فرصة رائعة للمصورين لتوثيق الأزياء التقليدية والاحتفالات الجماهيرية، لكن يُفضل دائماً الاستئذان قبل تصوير الأفراد بشكل مباشر.
اللغة: بما أن الاتفاقية جعلت الكردية لغة رسمية، ستلاحظ استخداماً مكثفاً لها في اللافتات والخطابات. ومع ذلك، يتحدث الكثيرون العربية والإنجليزية في المناطق السياحية.
- الطقس: آذار في شمال العراق هو بداية فصل الربيع. الطقس يكون معتدلاً وجميلاً، لكن يُنصح بحمل سترة خفيفة لأن المساء قد يكون بارداً.
هل ذكرى 11 آذار عطلة رسمية؟
من الناحية القانونية والإدارية، يجب التمييز بين الوضع في إقليم كردستان والوضع في بقية محافظات العراق:
- في إقليم كردستان: تعتبر هذه الذكرى يوماً وطنياً بامتياز، ولكنها ليست عطلة رسمية شاملة تغلق فيها جميع الدوائر والمؤسسات (ما لم يصدر قرار خاص من رئاسة مجلس الوزراء في الإقليم لنفس العام). بشكل عام، تظل الدوائر الحكومية والمدارس والأسواق مفتوحة وتعمل بشكل طبيعي، لكنها تشهد فعاليات احتفالية داخلية.
- في بغداد وبقية المحافظات: يُنظر إلى اليوم كحدث تاريخي مهم في الذاكرة السياسية العراقية، لكن لا توجد احتفالات رسمية أو عطلات مرتبطة به. تسير الحياة والخدمات بشكل اعتيادي تماماً.
ملاحظة هامة: غالباً ما تتداخل ذكرى 11 آذار مع "أيام آذار" الحافلة بالمناسبات في كردستان، مثل ذكرى تحرير أربيل (11 آذار أيضاً) واحتفالات عيد نوروز (21 آذار). لذا، قد تجد أن الأجواء الاحتفالية تبدأ من هذا اليوم وتستمر تصاعدياً حتى نهاية الشهر، مما قد يؤدي إلى ازدحامات مرورية في مراكز المدن الكبرى.
ختاماً، تظل ذكرى توقيع اتفاقية 11 آذار 1970 رمزاً للأمل في إمكانية حل أعقد النزاعات عبر الحوار والتفاوض. إنها تذكير دائم بأن الاعتراف بالحقوق والتنوع هو السبيل الوحيد لاستقرار الأوطان، وهي مناسبة يستحضر فيها العراقيون دروس التاريخ لبناء مستقبل أفضل يسوده السلام والوئام.