ذكرى الإسراء والمعراج في الأردن: رحلة الإيمان والسمو الروحي
تعد ذكرى الإسراء والمعراج من أسمى وأقدس المناسبات الدينية في المملكة الأردنية الهاشمية، وهي ذكرى تلامس وجدان كل مسلم في هذا البلد المرابط. إنها الرحلة الإعجازية التي اختص الله بها نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، لتكون مواساة له وتثبيتاً لفؤاده بعد عام الحزن، وتكريماً لمقامه الرفيع بين الأنبياء والمرسلين. في الأردن، تكتسب هذه المناسبة أبعاداً إضافية تتجاوز البعد الديني البحت لتصل إلى البعد التاريخي والجغرافي، نظراً للارتباط الوثيق والوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، وهي الوجهة التي انتهت إليها رحلة الإسراء ومنها بدأت رحلة المعراج.
تعتبر هذه الذكرى فرصة سنوية للمجتمع الأردني للتأمل في معاني الصبر واليقين، واستحضار الدروس والعبر من هذه المعجزة التي خرق الله بها نواميس الكون. فالإسراء هو تلك الرحلة الليلية الأرضية من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في القدس، والمعراج هو الصعود في طبقات السماوات وصولاً إلى سدرة المنتهى. بالنسبة للأردنيين، القدس ليست مجرد مدينة بعيدة، بل هي توأم عمان، والمسجد الأقصى هو قبلة القلوب، لذا فإن الاحتفاء بهذه الذكرى هو تجديد للعهد والارتباط بتلك الأرض المباركة التي بارك الله حولها.
متى تصادف ذكرى الإسراء والمعراج في عام 2026؟
يتم إحياء هذه الذكرى العطرة في الأردن وفي كافة أرجاء العالم الإسلامي في السابع والعشرين من شهر رجب من كل عام هجري. وبالنسبة للتقويم الميلادي لعام 2026، فإن التفاصيل هي كما يلي:
تاريخ المناسبة: يصادف يوم Friday الموافق January 16, 2026.
الوقت المتبقي: يفصلنا عن هذه الذكرى المباركة 13 يوماً من الآن.
من المهم ملاحظة أن تحديد التاريخ الدقيق للمناسبات الدينية في الأردن يعتمد على رؤية الهلال وحسابات التقويم الهجري، لذا قد يطرأ تغيير بسيط بمقدار يوم واحد زيادة أو نقصاناً، ولكن التقديرات الفلكية الحالية تشير إلى الموعد المذكور أعلاه. تبدأ الأجواء الروحانية عادةً مع غروب شمس اليوم السابق للمناسبة، حيث تضاء المآذن وتصدح المساجد بالابتهالات.
العمق التاريخي والديني: قصة الإسراء والمعراج
تعود جذور هذه المعجزة إلى حدود العام 621 ميلادي، وهي فترة حرجة من عمر الدعوة الإسلامية. بدأت الرحلة بـ "الإسراء"، حيث سار النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً من مكة إلى بيت المقدس راكباً "البراق"، وهو دابة سماوية وصفت بأنها تضع حافرها عند منتهى طرفها. وصل النبي إلى المسجد الأقصى، وهناك أمَّ الأنبياء جميعاً في الصلاة، مما يرمز إلى وحدة الرسالات السماوية وختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم.
أما "المعراج"، فهو الرحلة السماوية التي بدأت من صخرة بيت المقدس، حيث عرج بالنبي إلى السماوات العلا. في كل سماء، التقى النبي صلى الله عليه وسلم بنبي من الأنبياء (آدم، عيسى، يحيى، يوسف، إدريس، هارون، موسى، وإبراهيم عليهم السلام)، وصولاً إلى سدرة المنتهى حيث لم يصله بشر ولا ملك. وفي هذا المقام الرفيع، فُرضت الصلوات الخمس التي نؤديها اليوم، لتكون "معراجاً" روحياً يومياً لكل مسلم يصله بخالقه.
بالنسبة للأردن، فإن الارتباط بالمسجد الأقصى (مسرى النبي) هو جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية. فالأردنيون يرون في أنفسهم حراساً لهذا الإرث النبوي، وتأتي ذكرى الإسراء والمعراج لتعزز هذا الشعور بالمسؤولية والارتباط الروحي والتاريخي بالقدس الشريف.
تقاليد الاحتفاء في الأردن: مظاهر السكينة والوقار
يتميز الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في الأردن بطابع من الوقار والسكينة، بعيداً عن المظاهر الاحتفالية الصاخبة. فالأردنيون يميلون إلى إحياء هذه المناسبة من خلال العبادات واللقاءات العائلية الدافئة.
1. المظاهر الدينية في المساجد:
تشهد مساجد المملكة، وخاصة المساجد الكبرى مثل مسجد الملك عبد الله الأول ومسجد الملك الحسين بن طلال في عمان، احتفالات رسمية وشعبية. تتضمن هذه الاحتفالات:
إلقاء دروس دينية وخطب تتناول قصة الإسراء والمعراج والدروس المستفادة منها.
تلاوة آيات من القرآن الكريم، وخاصة سورة "الإسراء".
إقامة حلقات الذكر والابتهالات الدينية التي تمدح النبي الكريم وتذكر معجزاته.
التركيز في الخطب على مكانة القدس والمسجد الأقصى في العقيدة الإسلامية.
2. التجمعات العائلية والاجتماعية:
تجتمع العائلات الأردنية في هذا اليوم على مائدة واحدة، وغالباً ما يتم تحضير أطباق تقليدية. يسود جو من الهدوء، حيث يتبادل الكبار القصص مع الصغار حول رحلة النبي، ويشرحون لهم أهمية الصلاة التي فرضت في تلك الليلة. كما يحرص الكثيرون على صلة الأرحام وزيارة الأقارب لتبادل التهاني بعبارة "كل عام وأنتم بخير".
3. أعمال الخير والصدقات:
يستغل العديد من الأردنيين هذه المناسبة لتقديم الصدقات ومساعدة الفقراء، تقرباً إلى الله في هذا اليوم المبارك. فالروح العامة للمناسبة تشجع على التكافل والتراحم الاجتماعي.
نصائح عملية للزوار والمغتربين في الأردن
إذا كنت زائراً أو مقيماً في الأردن خلال فترة ذكرى الإسراء والمعراج في يناير 2026، فإليك بعض المعلومات الهامة لضمان تجربة مريحة ومحترمة للعادات المحلية:
اللباس والسلوك: الأردن بلد مضياف ومنفتح، ولكن في المناسبات الدينية، يُفضل ارتداء الملابس المحتشمة، خاصة عند الاقتراب من المساجد أو الأماكن السكنية التقليدية. بالنسبة للنساء، يُطلب تغطية الرأس عند الدخول إلى المساجد، ويجب على الجميع خلع الأحذية عند الدخول.
زيارة المساجد: يُسمح لغير المسلمين بزيارة بعض المساجد الكبرى مثل مسجد الملك عبد الله الأول خارج أوقات الصلاة. في يوم الإسراء والمعراج، ستكون المساجد مزدحمة بالمصلين، لذا يفضل اختيار أوقات هادئة للزيارة أو الاكتفاء بمشاهدة الهندسة المعمارية الرائعة من الخارج.
التنقل والازدحام: بما أن اليوم ليس عطلة رسمية (كما سنوضح لاحقاً)، فإن حركة السير تكون عادية. ومع ذلك، قد تزداد الكثافة المرورية بالقرب من المساجد الكبيرة في وقت صلاة المغرب والعشاء بسبب توافد الناس لحضور الاحتفالات الدينية.
حالة الطقس: يصادف تاريخ January 16, 2026 في ذروة فصل الشتاء في الأردن. الطقس في يناير يكون بارداً جداً، حيث تتراوح درجات الحرارة نهاراً بين 10 إلى 15 درجة مئوية، وقد تنخفض ليلاً إلى ما دون 5 درجات. من المحتمل جداً سقوط الأمطار، لذا تأكد من اقتناء ملابس شتوية ثقيلة ومظلة.
- الخدمات العامة: المطاعم، المقاهي، والمراكز التجارية تظل مفتوحة كالمعتاد. لن تجد صعوبة في العثور على أي خدمات خلال هذا اليوم.
هل يعتبر يوم الإسراء والمعراج عطلة رسمية في الأردن؟
هذا سؤال يتكرر كثيراً، والإجابة هي: لا، ذكرى الإسراء والمعراج لا تعتبر عطلة رسمية وطنية في الأردن.
إليك تفاصيل الدوام في هذا اليوم:
- المؤسسات الحكومية والخاصة: تظل الوزارات والدوائر الحكومية والشركات الخاصة مفتوحة وتعمل ضمن ساعات الدوام الرسمي المعتادة.
- البنوك والمدارس: المدارس والجامعات والبنوك لا تعطل في هذا اليوم، وتستمر الحصص الدراسية والمعاملات البنكية بشكل طبيعي.
- المحال التجارية: تفتح الأسواق والمولات أبوابها كالمعتاد، بل قد تشهد بعض المحال حركة شرائية نشطة من العائلات التي تستعد للسهرات العائلية.
على الرغم من عدم وجود عطلة رسمية، إلا أن الحكومة الأردنية غالباً ما تقيم احتفالاً مركزياً تحت رعاية ملكية أو حكومية رفيعة المستوى، ويتم بثه عبر التلفزيون الأردني الرسمي، حيث يلقي علماء الدين كلمات تؤكد على معاني المناسبة والوصاية الهاشمية على المقدسات.
الربط بين الأردن والقدس في هذه الذكرى
لا يمكن الحديث عن الإسراء والمعراج في الأردن دون التطرق إلى الرابطة المقدسة مع القدس. فالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس هي ثبات سياسي وديني وتاريخي. في هذه الذكرى، يستذكر الأردنيون تضحيات الجيش العربي على أسوار القدس، ويرون في المسجد الأقصى جزءاً لا يتجزأ من عقيدتهم.
كثيراً ما تتناول الخطب في المساجد الأردنية في هذا اليوم أهمية الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية للقدس، وتعتبر ذكرى الإسراء والمعراج دافعاً معنوياً للتأكيد على أن الحق لا يضيع، وأن تلك الرحلة التي ربطت مكة بالقدس هي رباط أبدي لا ينفصم.
الخلاصة
إن ذكرى الإسراء والمعراج في 2026 ستكون يوماً للسكينة والتأمل في الأردن. ورغم أن الحياة العملية تسير كالمعتاد، إلا أن الأجواء الروحانية تملأ البيوت والمساجد. إنها فرصة لكل من يتواجد على أرض المملكة ليشهد كيف يمتزج الإيمان بالتاريخ، وكيف يعتز الأردنيون بإرثهم النبوي وارتباطهم بالقدس الشريف. سواء كنت تشارك في الصلوات في المسجد أو تراقب الأجواء من بعيد، فإن هذه المناسبة تمنحك لمحة عميقة عن القيم التي تشكل المجتمع الأردني: الإيمان، الاحترام، والارتباط بالجذور.
تذكر دائماً أن تاريخ January 16, 2026 هو موعدنا مع هذه الذكرى العطرة، ومع بقاء 13 يوماً، يبدأ الناس بالاستعداد الروحي لاستقبال هذا اليوم الذي يذكرنا بأن مع العسر يسراً، وأن الله يرفع مقام الصابرين كما رفع مقام نبيه في تلك الليلة المباركة.