دليل رمضان في موريتانيا: روحانية الصيام وتقاليد "بلاد الشناقطة"
يعتبر شهر رمضان المبارك في الجمهورية الإسلامية الموريتانية أكثر من مجرد شعيرة دينية؛ إنه فصل من فصول التجديد الروحي والاجتماعي الشامل. في هذا البلد الذي يعتنق كامل سكانه تقريباً الإسلام، يمثل رمضان ذروة العام الإيماني، حيث تتغير ملامح الحياة اليومية لتتناغم مع قدسية الشهر الكريم. هو شهر الصيام والقيام، وفيه تتجلى قيم التكافل الاجتماعي، والزهد، والارتباط الوثيق بالقرآن الكريم، وهو ما يعكس الهوية الثقافية والدينية العميقة للشعب الموريتاني الذي اشتهر عبر التاريخ بلقب "أهل الشناقطة".
تكمن خصوصية رمضان في موريتانيا في ذلك المزيج الفريد بين الالتزام الصارم بالتعاليم الفقهية وبين التقاليد البدوية والأصالة العربية-الأفريقية. فمنذ لحظة إعلان رؤية الهلال، تتحول الشوارع والمساجد والبيوت إلى خلايا نحل من العبادة والذكر. يحرص الموريتانيون على إحياء سنة التراويح والتهجد، وتغص المساجد بالمصلين من مختلف الأعمار، بينما تنشط المحاظر (الكتاتيب التقليدية) في تدريس علوم القرآن وتفسيره، مما يجعل من هذا الشهر مدرسة تربوية متكاملة تعزز الأخلاق والترابط الأسري.
متى يبدأ رمضان في 2026؟
ينتظر الموريتانيون بفارغ الصبر قدوم شهر الخير لعام 2026. وبناءً على الحسابات الفلكية المتوقعة، فإن تفاصيل بداية الشهر ستكون على النحو التالي:
يوم بداية الصوم: يصادف أول أيام شهر رمضان المبارك يوم Wednesday.
التاريخ المحدد: يوافق هذا اليوم تاريخ February 18, 2026.
الوقت المتبقي: لا يفصلنا عن هذا الموعد المبارك سوى 46 يوماً.
من المهم ملاحظة أن التقويم الهجري يعتمد أساساً على الدورة القمرية، ولذلك فإن التاريخ الفعلي لبداية رمضان في موريتانيا يتحدد رسمياً من خلال "اللجنة الوطنية للأهلة". تجتمع هذه اللجنة في وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي في نواكشوط مساء يوم الثلاثاء 17 فبراير 2026 (ليلة الأربعاء) لاستقبال شهادات رؤية الهلال من جميع أنحاء البلاد. وبناءً على هذه الرؤية الشرعية، يتم الإعلان رسمياً عبر وسائل الإعلام الحكومية عن ثبوت الشهر من عدمه، وهو ما قد يؤدي إلى تقديم أو تأخير الموعد بيوم واحد عن الحسابات الفلكية.
أهمية رمضان ومكانته الروحية
رمضان هو الشهر التاسع في التقويم الهجري، ويمثل الركن الرابع من أركان الإسلام الخمسة. بالنسبة للمجتمع الموريتاني المحافظ، يعد الصيام (أو "الرومضان" باللهجة المحلية) فرصة لا تعوض لغسل الذنوب والتقرب إلى الله. تعود قدسية هذا الشهر إلى كونه الشهر الذي نزل فيه القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر، التي يتحرى الموريتانيون بركتها في العشر الأواخر من الشهر بكل جد واجتهاد.
تتجلى أهمية رمضان في موريتانيا في عدة جوانب:
- الجانب التعبدي: التركيز على الصلاة، وتلاوة القرآن، والاعتكاف في المساجد.
- الجانب الأخلاقي: ممارسة الصبر والتحمل، والابتعاد عن اللغو والغيبة، وتربية النفس على القناعة.
- الجانب الاجتماعي: صلة الرحم، وإطعام الطعام، ومساعدة الفقراء والمحتاجين عبر الزكاة والصدقات العينية.
- الجانب الثقافي: استعادة الأمجاد العلمية للمحاظر الشنقيطية من خلال الندوات والمحاضرات الدينية التي تبثها الإذاعة والتلفزة الوطنية.
تاريخ وأصول الصيام في موريتانيا
ارتبط الصيام في موريتانيا منذ دخول الإسلام إلى هذه الربوع بروح الزهد والتبتل. تاريخياً، كان الشناقطة يستقبلون رمضان بالاستعداد العلمي قبل الاستعداد الغذائي؛ حيث كان العلماء يراجعون متون الفقه المتعلقة بالصيام لتعليمها للناس. في البيئة الصحراوية القاسية، كان الصيام اختباراً حقيقياً للصبر، ومع ذلك، حافظ الموريتانيون على تقاليدهم العريقة في استقبال الضيوف ومشاركة القليل من الزاد مع عابري السبيل.
توارثت الأجيال عادات معينة في رؤية الهلال، حيث كان الناس في المناطق الريفية والبدوية يصعدون فوق المرتفعات الرملية (الكثبان) لاستطلاع الهلال بالعين المجردة. وبمجرد ثبوت الرؤية، كانت تطلق العيارات النارية أو تضاء النيران على القمم لإعلام الأحياء المجاورة، وهي تقاليد تلاشت تدريجياً مع ظهور وسائل الاتصال الحديثة، لكن روح البهجة بقدوم الشهر ظلت كما هي.
كيف يحتفل الموريتانيون برمضان؟ (التقاليد والعادات)
يتميز رمضان في موريتانيا بنكهة خاصة تمزج بين البساطة والعمق. تبدأ الاستعدادات قبل أسابيع من خلال تنظيف المساجد وفرشها، وشراء المستلزمات الغذائية الأساسية.
1. مائدة الإفطار الموريتانية
عند أذان المغرب، يبدأ الموريتانيون إفطارهم باتباع السنة النبوية، حيث يتم تناول التمر (البلح) مع الماء أو "الزريق". و"الزريق" هو مشروب موريتاني تقليدي يتكون من خليط من اللبن (أو الحليب) والماء والسكر، ويعتبر المشروب المفضل لإطفاء ظمأ الصائم في حرارة الصحراء.
بعد صلاة المغرب، تجتمع العائلة حول المائدة التي عادة ما تضم:
الحساء (النشا): وهو حساء دافئ يصنع من دقيق الشعير أو الذرة، ويشرب لتهيئة المعدة.
اللحم المشوي: يفضل الموريتانيون لحم الغنم أو الإبل، خاصة في وجبات العشاء المتأخرة.
الكسكس الموريتاني: الطبق الوطني الذي يحضر بالخضار واللحم، وغالباً ما يكون هو الوجبة الرئيسية بعد صلاة التراويح.
الشاي الموريتاني (أتاي): لا تكتمل أي جلسة موريتانية بدون الشاي. يتم تحضير "أتاي" بطقوس خاصة (الجيمات الثلاث: الجماعة، والجر، والجمر)، ويستمر شربه طوال الليل.
2. صلاة التراويح والحياة الليلية
بعد الإفطار بفترة وجيزة، يتوجه الرجال والنساء والشباب إلى المساجد لأداء صلاة العشاء والتراويح. تمتاز المساجد الموريتانية بصوت الأئمة الندي وتلاواتهم التي تتبع غالباً رواية "ورش عن نافع" المنتشرة في المغرب العربي. بعد الصلاة، تنبض الشوارع بالحياة؛ حيث تفتح المحلات التجارية أبوابها، وتقام الأمسيات الثقافية والشعرية، وتستمر الزيارات العائلية حتى وقت السحر.
3. السحور
وجبة السحور في موريتانيا بسيطة وغالباً ما تعتمد على "العيش" (عصيدة من الحبوب) أو بقايا وجبة العشاء مع الكثير من اللبن، وذلك لضمان القدرة على تحمل الصيام في اليوم التالي.
4. "زكاة الفطر" والتحضير للعيد
مع اقتراب نهاية الشهر، تزداد الحركة في الأسواق لشراء ملابس العيد. ويحرص الموريتانيون على إخراج زكاة الفطر في وقتها، وغالباً ما تكون من المواد الغذائية الأساسية مثل الأرز أو القمح، وتوزع على الأسر الأقل دخلاً لضمان فرحة الجميع بالعيد.
معلومات عملية للزوار والمغتربين
إذا كنت تنوي زيارة موريتانيا خلال رمضان 2026، فإليك بعض النصائح الهامة لضمان تجربة محترمة وممتعة:
احترام الصائمين: على الرغم من أن غير المسلمين غير ملزمين بالصيام، إلا أنه من الأدب والذوق العام تجنب الأكل أو الشرب أو التدخين في الأماكن العامة خلال ساعات النهار. يعتبر المجتمع الموريتاني محافظاً جداً، والالتزام بهذا العرف يظهر احتراماً كبيراً لثقافة البلد.
ساعات العمل: خلال شهر رمضان، تتغير وتيرة العمل. غالباً ما تبدأ المكاتب الحكومية والشركات عملها متأخرة قليلاً وتنتهي في وقت مبكر (حوالي الساعة 3 أو 4 عصراً) لتمكين الموظفين من العودة إلى منازلهم والتحضير للإفطار.
المطاعم والخدمات: معظم المطاعم تغلق أبوابها خلال النهار، وتفتح فقط بعد غروب الشمس. الفنادق الكبرى في نواكشوط ونواذيبو قد تقدم خدمات الطعام للنزلاء الأجانب في غرفهم أو في أماكن مغلقة.
الملابس والسلوك: يفضل ارتداء ملابس محتشمة تغطي الكتفين والركبتين، وهو أمر مطلوب طوال العام في موريتانيا ولكنه يتأكد في رمضان. كما يجب تجنب المظاهر العلنية للمودة في الشوارع.
المناخ والصحة: في شهر فبراير 2026، يكون الطقس في موريتانيا معتدلاً إلى حار نهاراً (بين 25 و35 درجة مئوية) وبارداً نسبياً ليلاً. إذا كنت لا تصوم، تأكد من شرب كميات كافية من الماء بعيداً عن أعين الناس لتجنب الجفاف.
- التنقل: تزداد زحمة السير بشكل كبير في الساعة التي تسبق الإفطار، حيث يسارع الجميع للوصول إلى منازلهم. حاول تجنب التنقل في هذا التوقيت.
هل بداية رمضان عطلة رسمية في موريتانيا؟
من المهم معرفة أن يوم بداية رمضان (18 فبراير 2026) لا يعتبر عطلة رسمية في موريتانيا. تظل الدوائر الحكومية والمدارس والأسواق والشركات مفتوحة وتعمل وفق جدولها اليومي المعتاد، مع تعديلات طفيفة في ساعات الدوام لتناسب الصائمين.
الحياة اليومية تستمر بشكل طبيعي، ولكن بإيقاع أكثر هدوءاً في الصباح وأكثر حيوية في الليل. أما العطلة الرسمية الكبرى فتكون في نهاية الشهر، وهي "عيد الفطر المبارك"، حيث تمنح الدولة عطلة لعدة أيام لإتاحة الفرصة للناس للاحتفال والسفر إلى ذويهم في المناطق الداخلية.
نصائح إضافية لتجربة رمضانية فريدة في موريتانيا
- حضور "دروس رمضان": إذا كنت تجيد العربية، حاول حضور بعض الدروس الدينية في الجامع الكبير بنواكشوط، فهي تعكس العمق العلمي للبلاد.
- تذوق "الزريق": لا تغادر موريتانيا دون تجربة مشروب الزريق التقليدي عند الإفطار، فهو جزء لا يتجزأ من الثقافة المحلية.
- المشاركة في الإفطار الجماعي: يشتهر الموريتانيون بالكرم؛ فلا تستغرب إذا تمت دعوتك للإفطار من قبل شخص التقيته للتو. قبول الدعوة يعتبر تقديراً للمضيف.
- التسوق الليلي: استمتع بجولة في أسواق نواكشوط (مثل سوق العاصمة أو سوق "كبيتال") بعد صلاة التراويح، حيث تكون الأجواء مفعمة بالحيوية والنشاط.
ختاماً، يمثل رمضان في موريتانيا لعام 2026 فرصة ذهبية للتعرف على وجه موريتانيا الحقيقي؛ وجه الإيمان، والكرم، والصبر الأصيل. سواء كنت مواطناً أو زائراً، فإن العيش في ظلال هذا الشهر فوق الرمال الموريتانية وتحت سمائها الصافية يترك أثراً لا ينسى في النفس.
تذكير أخير: يبقى تاريخ February 18, 2026 هو الموعد المتوقع، ويرجى متابعة الإعلانات الرسمية من "اللجنة الوطنية للأهلة" في موريتانيا ليلة الشك لتاكيد الموعد النهائي. رمضان كريم وكل عام وموريتانيا بألف خير.