بداية شهر رمضان المبارك في سلطنة عمان: دليل شامل للأجواء الروحانية والتقاليد العمانية الأصيلة
يعتبر شهر رمضان المبارك في سلطنة عمان أكثر من مجرد فريضة دينية؛ إنه فصل من فصول الروحانية المتجذرة في عمق الهوية العمانية، وفترة زمنية يتوقف فيها إيقاع الحياة الصاخب ليفسح المجال للتأمل، والعبادة، والترابط الأسري. في عمان، يتم استقبال هذا الشهر بلهفة تسبق رؤية الهلال بأسابيع، حيث تمتزج الاستعدادات المادية من تجهيز المؤن والمنازل بالاستعدادات النفسية والروحية. إن جوهر رمضان في السلطنة يكمن في تلك السكينة التي تخيم على المدن والقرى، وفي أصوات صلاة التراويح التي تتردد في جنبات المساجد العريقة، وفي كرم الضيافة الذي يتجلى في أبهى صوره عند موائد الإفطار الجماعية.
ما يميز رمضان في عمان هو الحفاظ على العادات الموروثة التي لم تنل منها الحداثة. فمنذ اللحظة التي يُعلن فيها عن ثبوت رؤية الهلال، تتبدل ملامح اليوم العماني؛ فتصبح الليالي أكثر حيوية من النهارات، وتزدان المجالس (السبلة) بحضور الأهل والجيران، ويتسابق الجميع في أعمال الخير والبر. إنه شهر الصبر والاحتساب، حيث يمتنع المسلمون عن الطعام والشراب من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، ليس فقط كفعل بدني، بل كتدريب للنفس على الانضباط والسمو الأخلاقي والشعور بمعاناة الآخرين، مما يعزز قيم التكافل الاجتماعي التي يشتهر بها المجتمع العماني.
متى يبدأ شهر رمضان في عام 2026؟
ينتظر العمانيون والمقيمون في السلطنة بفارغ الصبر قدوم الشهر الفضيل. وبناءً على الحسابات الفلكية وتوقعات رؤية الهلال، فإن تفاصيل بداية الشهر هي كما يلي:
تاريخ بداية رمضان: يصادف يوم Wednesday، February 18, 2026.
الوقت المتبقي: يتبقى على حلول هذا الشهر المبارك 46 يوماً من الآن.
من المهم ملاحظة أن التقويم الهجري يعتمد على الدورة القمرية، ولذلك فإن الموعد النهائي والرسمي في سلطنة عمان يتم تحديده من قبل "اللجنة الرئيسية لاستطلاع أهلة الشهور الهجرية" بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية. تجتمع هذه اللجنة في ليلة التحري (29 شعبان) لرصد الهلال بالعين المجردة أو باستخدام المناظير الفلكية. لذا، قد يختلف التاريخ الفعلي بزيادة أو نقصان يوم واحد بناءً على ثبوت الرؤية الشرعية، وهو ما يضفي نوعاً من التشويق الروحاني والترقب الجميل في الليلة التي تسبق الصيام.
الأهمية الدينية والروحية لشهر رمضان
رمضان هو الشهر التاسع في التقويم الهجري، وهو الشهر الذي نزل فيه القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. بالنسبة للعمانيين، يمثل هذا الشهر "مدرسة إيمانية" سنوية. الركن الأساسي هو الصيام (الإمساك)، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة. لكن الصيام في المفهوم العماني يتجاوز الامتناع عن الأكل والشرب؛ فهو صيام الجوارح عن الخطأ، وتقوية الصلة بالله عبر تلاوة القرآن والذكر.
تكتظ المساجد في عمان، من جامع السلطان قابوس الأكبر في مسقط إلى أصغر المساجد في القرى الجبلية، بالمصلين في صلاة التراويح والقيام. ويحرص العمانيون على ختم القرآن الكريم عدة مرات خلال الشهر، وتقام حلقات العلم والدروس الدينية التي تشرح سيرة النبي الكريم وقيم التسامح والعدل.
التقاليد والعادات العمانية في استقبال رمضان
تبدأ الاستعدادات في عمان قبل وقت مبكر، وتحديداً في شهر شعبان، فيما يعرف محلياً بـ "حق الليلة" أو "القرنقشوه" (وإن كانت القرنقشوه تقام في منتصف رمضان، إلا أن التحضير لها يبدأ مبكراً).
- شراء المير الرمضاني: تزدحم الأسواق التقليدية مثل "سوق مطرح" و"سوق نزوى" و"سوق الرستاق" بالمتسوقين لشراء القهوة العمانية، والتمور بشتى أنواعها (مثل الخلاص والفرض)، والبهارات التي تُستخدم في الأطباق الرمضانية الخاصة.
- اللقاءات العائلية: يعتبر رمضان فرصة للم شمل العائلات التي قد تفرقها مشاغل الحياة. في أول يوم من رمضان، تجتمع العائلة الكبيرة عادة في بيت "العود" (بيت الجد أو الجدة) لتناول أول إفطار جماعي.
- تبادل المأكولات: من أجمل العادات العمانية هي "المهاداة"، حيث تتبادل الجيران أطباق الإفطار قبل أذان المغرب بدقائق، فتجد السفرة العمانية متنوعة بأطباق من مختلف البيوت، مما يجسد روح المودة والجوار.
الروتين اليومي في عمان خلال رمضان
يتغير إيقاع الحياة بشكل ملحوظ في السلطنة ليتناسب مع فريضة الصيام:
فترة السحور: يبدأ اليوم بوجبة السحور التي تسبق صلاة الفجر. يحرص العمانيون على تناول وجبات خفيفة ومغذية مثل التمر، واللبن، والخبز العماني (الرخال) لضمان القدرة على الصيام طوال اليوم.
النهار الهادئ: تتسم ساعات النهار بالهدوء والوقار. تتقلص ساعات العمل في المؤسسات الحكومية والخاصة لتسمح للموظفين بالراحة والعبادة. ورغم الصيام، تستمر الحياة العملية بجدية ولكن بوتيرة أهدأ.
وقت الإفطار: مع انطلاق مدفع الإفطار (في بعض المدن) ورفع أذان المغرب، يبدأ الصائمون بكسر صيامهم بـ "الراتب" وهو التمر والماء أو اللبن، اقتداءً بالسنة النبوية. ثم يؤدون صلاة المغرب جماعة، ليعودوا بعد ذلك لتناول الوجبة الرئيسية.
الأطباق الرمضانية: لا تخلو المائدة العمانية من "الهريس"، و"الثريد" (الفتات)، و"اللقيمات"، بالإضافة إلى القهوة العمانية الممزوجة بالزعفران والهيل، والحلويات العمانية الشهيرة.
الأنشطة المسائية والروحانية
بعد صلاة العشاء، يتوجه الرجال والنساء والأطفال إلى المساجد لأداء صلاة التراويح. بعد الصلاة، تبدأ الحياة الاجتماعية النابضة:
المجالس (السبلة): تفتح المجالس العمانية أبوابها لاستقبال الضيوف، حيث يتم تبادل الأخبار ومناقشة الأمور العامة وتلاوة القصائد.
الأنشطة الرياضية: تنظم العديد من الأندية والفرق الأهلية دورات رياضية رمضانية (خاصة كرة القدم) تبدأ في وقت متأخر من الليل، مما يضفي جوًا من الحماس بين الشباب.
التسوق الليلي: تظل المحلات التجارية والمراكز التجارية مفتوحة حتى ساعات الصباح الأولى، حيث يخرج الناس للتسوق استعداداً لعيد الفطر.
ليلة القدر والاعتكاف
في العشر الأواخر من رمضان، تزداد الروحانية كثافة. يتحرى العمانيون "ليلة القدر" في الليالي الوترية، وهي ليلة خير من ألف شهر. يمتلئ جامع السلطان قابوس والمساجد الأخرى بالمصلين الذين يحيون الليل بالصلاة والدعاء والبكاء طلباً للمغفرة. كما يحرص البعض على "الاعتكاف" في المساجد خلال هذه الأيام، منقطعين تماماً للعبادة.
معلومات عملية للزوار والمقيمين غير المسلمين
سلطنة عمان بلد يتسم بالتسامح والانفتاح، ولكن من الضروري احترام قدسية هذا الشهر ومشاعر الصائمين. إليكم بعض النصائح الهامة:
- الأكل والشرب في الأماكن العامة: يُمنع تماماً الأكل، أو الشرب، أو التدخين، أو مضغ اللبان في الأماكن العامة (الشوارع، المكاتب، مواقف السيارات) خلال ساعات النهار. هذا السلوك يعتبر غير لائق قانونياً واجتماعياً. يجب تناول الطعام والشراب داخل المنازل أو في الأماكن المخصصة البعيدة عن الأنظار.
- ساعات العمل: يتم تعديل قوانين العمل في عمان خلال رمضان، حيث تنخفض ساعات العمل للمسلمين وغير المسلمين في الغالب لتصل إلى حوالي 6 ساعات يومياً (مثلاً من 9 صباحاً إلى 2 ظهراً)، ولكن يجب التأكد من جهة العمل المحددة.
- المطاعم والمقاهي: تغلق معظم المطاعم أبوابها خلال النهار. ومع ذلك، تقدم الفنادق الكبرى وجبات الطعام للسياح وغير الصائمين في مطاعم مغلقة أو محجوبة عن المارة. بعد الغروب، تفتح جميع المطاعم أبوابها وتقدم بوفيهات إفطار فاخرة.
- الملابس والسلوك: يُنصح بارتداء ملابس محتشمة تغطي الكتفين والركبتين عند الخروج، احتراماً للجو العام الروحاني. كما يفضل تجنب الموسيقى الصاخبة أو التصرفات التي قد تخدش حياء الصائمين.
- التنقل: تزدحم الشوارع بشكل كبير قبل موعد الإفطار بساعة (بين الساعة 5 و6 مساءً)، حيث يسارع الجميع للوصول إلى منازلهم. يُنصح بتجنب القيادة في هذا الوقت لتفادي الازدحام والحوادث المحتملة بسبب التعب.
هل يعتبر بداية رمضان إجازة رسمية؟
في سلطنة عمان، لا يعتبر اليوم الأول من شهر رمضان إجازة رسمية تتوقف فيها الأعمال. تظل الدوائر الحكومية والشركات والمحلات التجارية مفتوحة، ولكن بساعات عمل "مخفضة" ومنظمة بموجب مراسيم سلطانية وقوانين العمل العمانية. الهدف من تقليل الساعات هو منح الصائمين فرصة للعبادة والراحة والتحضير للإفطار.
أما الإجازة الرسمية الطويلة، فتأتي في نهاية الشهر المبارك بمناسبة عيد الفطر السعيد، والتي تستمر عادة لمدة ثلاثة إلى أربعة أيام، وتعطل فيها كافة الجهات الرسمية والخاصة.
رمضان في المناطق المختلفة من عمان
تتنوع مظاهر الاحتفال بقدوم رمضان حسب التضاريس والجغرافيا في السلطنة:
في مسقط: يطغى الطابع العصري مع بوفيهات الإفطار في الفنادق العالمية والخيام الرمضانية، مع الحفاظ على الصلاة في الجوامع الكبرى.
في الداخلية (نزوى وبهلاء): تبرز التقاليد القديمة بشكل أقوى، حيث تجد الأسواق التقليدية تعج بالحركة، واللقاءات في الحارات القديمة لها نكهة خاصة.
في ظفار (صلالة): يتميز رمضان هناك بأجواء اجتماعية فريدة، حيث تجتمع القبائل والعائلات، وتشتهر الموائد الظفارية بأطباق اللحوم والمضبي التي تميز المنطقة.
- في المناطق الجبلية (الجبل الأخضر وجبل شمس): يكون الصيام أسهل بسبب درجات الحرارة المعتدلة، ويقضي الناس يومهم في الزراعة والعبادة وسط الطبيعة الخلابة.
الخلاصة
بداية رمضان في 2026 هي رحلة إيمانية واجتماعية فريدة في سلطنة عمان. إنها فرصة للتعرف على كرم الشعب العماني وعمق تمسكه بدينه وتقاليده. سواء كنت مواطناً، أو مقيماً، أو زائراً، فإن تجربة رمضان في عمان ستترك في نفسك أثراً من السلام والسكينة لا ينسى. تذكر أن التاريخ المتوقع هو February 18, 2026، وأن الاستعداد النفسي لهذا الشهر يبدأ من الآن عبر نشر قيم التسامح والمحبة.
رمضان مبارك مقدماً لكل أهل عمان والمقيمين على أرضها الطيبة، وكل عام وأنتم بخير.