دليل شامل حول بداية شهر رمضان المبارك في اليمن
يعتبر شهر رمضان المبارك في اليمن أكثر من مجرد فريضة دينية؛ إنه قلب العام النابض بالروحانية، والمحطة التي يتوقف عندها الزمن ليعيد صياغة الروابط الاجتماعية والأسرية. في اليمن، مهد الحضارات وبلد الإيمان والحكمة، يتخذ استقبال هذا الشهر طابعاً خاصاً يمزج بين العبادة الخالصة وبين تقاليد ضاربة في عمق التاريخ. رمضان هو الشهر التاسع في التقويم الهجري، وهو الشهر الذي نزل فيه القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مما يجعله أقدس أوقات السنة لدى اليمنيين.
تتجلى خصوصية رمضان في اليمن في تلك الأجواء الروحانية التي تلف المدن التاريخية مثل صنعاء القديمة، وزبيد، وتريم، حيث تصدح المآذن بالتسابيح والابتهالات قبل أذان الفجر، وتضاء الفوانيس في الأزقة الضيقة. بالنسبة لليمنيين، رمضان هو فرصة للتسامي فوق الجراح، وتجديد قيم التكافل الاجتماعي، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد. الصبر، التقوى، والامتنان هي الركائز التي يقوم عليها هذا الشهر، حيث يمتنع المسلمون عن الطعام والشراب من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، ليس فقط كجزء من الشعائر، بل كوسيلة لتطهير الروح وتذكر المحتاجين.
إن أهمية رمضان في اليمن تكمن أيضاً في كونه موسماً لصلة الأرحام وتصفية القلوب. فقبل حلول الشهر بأيام، تبدأ الأسر اليمنية بالتحضير النفسي والمادي، حيث تعمر الأسواق بالبخور والبهارات والمواد الغذائية الأساسية. ورغم التحديات الاقتصادية، يظل الكرم اليمني حاضراً، إذ لا تخلو مائدة من "إفطار صائم" يقدم للمارة أو في المساجد، مما يعزز الشعور بالوحدة الوطنية والروحية التي تتجاوز أي خلافات.
متى يبدأ رمضان في عام 2026؟
ينتظر اليمنيون بشوق كبير تحديد موعد بداية الشهر الفضيل، والذي يعتمد أساساً على رؤية الهلال، امتثالاً لقول النبي الكريم "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".
في عام 2026، من المتوقع أن تكون تفاصيل بداية الشهر كما يلي:
تاريخ بداية الصيام: يصادف يوم Wednesday الموافق February 18, 2026.
الوقت المتبقي: لا يزال هناك 46 يوماً حتى حلول هذا الموعد المبارك.
طبيعة التاريخ: يعتبر تاريخ رمضان تاريخاً متغيراً في التقويم الميلادي، حيث يتراجع حوالي 10 إلى 12 يوماً كل عام لأن السنة الهجرية تعتمد على الدورة القمرية وهي أقصر من السنة الشمسية.
تبدأ الأجواء الرمضانية فعلياً من مساء الليلة السابقة ليوم الصيام، حيث تُعلن لجنة رؤية الهلال في وزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية ثبوت رؤية الهلال بعد غروب شمس يوم الثلاثاء 17 فبراير 2026، لتبدأ صلاة التراويح في تلك الليلة، ويكون أول أيام الصيام هو الأربعاء.
تاريخ وأصل شهر رمضان وأهميته في اليمن
يعود أصل صيام رمضان إلى السنة الثانية للهجرة، عندما فرض الله سبحانه وتعالى الصيام على المسلمين ليكون ركناً رابعاً من أركان الإسلام. وفي اليمن، دخل الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومنذ ذلك الحين، أصبح رمضان جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية والاجتماعية لليمنيين.
تاريخياً، كان اليمنيون يستقبلون رمضان بإشعال النيران فوق قمم الجبال (المشاعل) لإعلام القرى البعيدة بدخول الشهر، وهي عادة كانت سائدة قبل انتشار وسائل الاتصال الحديثة. تكمن أهمية رمضان في اليمن في التنوع المذهبي المنسجم، حيث يحيي أتباع المذهبين الشافعي والزيدي الشعائر بروح من الأخوة والمودة، مع التركيز على قراءة القرآن الكريم في المساجد وحلقات العلم التي تشتهر بها مدن مثل "تريم" التي تُعرف بمدينة العلم والعلماء.
في ظل الأزمات الإنسانية التي واجهها اليمن في السنوات الأخيرة، اكتسب رمضان بعداً إضافياً يتمثل في "المرونة والصمود". أصبح الصيام درساً في التحمل، وأصبحت موائد الإفطار الجماعية وسيلة لدعم الأسر الأشد فقراً، مما يبرز الوجه الإنساني المشرق لليمنيين في أحلك الظروف.
كيف يحتفل اليمنيون ببداية رمضان؟
الاحتفال ببداية رمضان في اليمن ليس مجرد تغيير في مواعيد الأكل، بل هو تحول كامل في نمط الحياة اليومي.
الممارسات اليومية والروحانية
مع إعلان ثبوت الهلال، تزدحم المساجد في كافة أنحاء اليمن، من عدن جنوباً إلى صعدة شمالاً، ومن المكلا شرقاً إلى الحديدة غرباً، لأداء صلاة التراويح. يحرص اليمنيون على ختم القرآن الكريم خلال الشهر، وتجد المساجد عامرة بالذاكرين والمصلين في أوقات الظهيرة وبعد صلاة العصر.
العادات والتقاليد اليمنية عند الإفطار
تبدأ مائدة الإفطار اليمنية بـ "التمر والماء" أو "القهوة القشرية" التي يشتهر بها اليمن. بعد أداء صلاة المغرب، تعود العائلات لتناول الوجبة الرئيسية التي تتسم بخصوصية فريدة:
- الشفوت: وهو سيد المائدة اليمنية، يتكون من خبز "اللحوح" المغمور باللبن الممزوج بالأعشاب العطرية مثل الكبزرة والنعناع والفلفل الأخضر.
- الشوربة: وعادة ما تكون شوربة الشعير باللحم أو الحليب.
- السمبوسة والباجية: وهي مقبلات مقلية لا تخلو منها مائدة في عدن والمناطق الساحلية.
- بنت الصحن: وهي فطيرة بالعسل والسمن البلدي تقدم كطبق رئيسي أو تحلية.
التكافل الاجتماعي
من أبرز عادات اليمنيين في رمضان "الغبقة" أو العزائم الرمضانية، حيث تتبادل الأسر الأطباق فيما بينها، فيما يعرف بـ "توزيع الجيران"، حيث لا يمكن لأسرة أن تأكل دون أن تطعم جيرانها مما طبخت. كما تنشط المبادرات الشبابية لتوزيع وجبات الإفطار الخفيفة في جولات الشوارع للمسافرين ومن تأخروا عن العودة إلى منازلهم.
التقاليد والممارسات الخاصة في المدن اليمنية
تختلف بعض العادات قليلاً من منطقة إلى أخرى داخل اليمن، مما يضفي تنوعاً ثقافياً رائعاً:
صنعاء: تشتهر بصلاة التراويح في الجامع الكبير، وبالأناشيد الروحانية والموشحات اليمنية التي تسبق الإفطار. السمر في صنعاء يمتد حتى السحر في "المداوي" (المجالس العادية) حيث يتم تبادل الأحاديث ومناقشة أمور الحياة.
حضرموت: تتميز بـ "الختائم"، وهي احتفالات تقام عند ختم القرآن في مساجد معينة، حيث يخرج الأطفال بملابسهم الجديدة وتوزع عليهم الحلويات، وتتحول الشوارع إلى ما يشبه المهرجانات المصغرة.
عدن: تمتاز بالأجواء الشعبية في الأسواق، وتناول "الباجية" و"الكاتليس" والحلويات العدنية الشهيرة، وتعتبر المتنفسات الساحلية مكاناً مفضلاً للعائلات بعد صلاة التراويح.
معلومات عملية للزوار والمغتربين في اليمن
إذا كنت متواجداً في اليمن خلال شهر رمضان، فإليك بعض النصائح الهامة لضمان تجربة محترمة وسلسة:
- الاحترام العام: يمتنع الجميع عن الأكل والشرب والتدخين في الأماكن العامة خلال ساعات النهار. من المهم جداً لغير الصائمين أن يظهروا الاحترام لمشاعر الصائمين من خلال القيام بهذه الأنشطة في أماكن خاصة ومغلقة.
- ساعات العمل: عادة ما تتقلص ساعات العمل في القطاعين العام والخاص. تبدأ معظم المكاتب عملها في تمام الساعة العاشرة صباحاً وتنتهي في الثالثة عصراً. أما المحلات التجارية، فتغلق في وقت الظهيرة وتفتح أبوابها بعد الإفطار وتستمر حتى ساعات الفجر الأولى.
- الازدحام المروري: تشهد الشوارع ازدحاماً شديداً في الساعة التي تسبق أذان المغرب، حيث يسارع الجميع للوصول إلى منازلهم. يُنصح بتجنب التنقل في هذا الوقت.
- التسوق: يفضل شراء الاحتياجات الأساسية قبل بداية الشهر أو في الصباح الباكر، حيث تزدحم الأسواق بشكل كبير في المساء.
- التواصل الاجتماعي: رمضان هو أفضل وقت للتعرف على كرم الشعب اليمني. إذا دعيت إلى مائدة إفطار، فلا تتردد في القبول، فهي فرصة لتجربة أصالة الضيافة اليمنية.
- الملابس: يُفضل ارتداء ملابس محتشمة في جميع الأوقات، احتراماً لقدسية الشهر والتقاليد المحلية.
هل بداية رمضان عطلة رسمية في اليمن؟
من الناحية القانونية، لا تعتبر بداية شهر رمضان عطلة رسمية في اليمن. يوم February 18, 2026 هو يوم عمل عادي، وتظل المؤسسات الحكومية والبنوك والمحلات التجارية مفتوحة، ولكن مع تعديل في ساعات الدوام الرسمي لتناسب الصيام.
ومع ذلك، فإن طبيعة الحياة تتغير بشكل جذري:
المدارس والجامعات: تستمر الدراسة ولكن بجدول زمني مخفف، وفي بعض الأحيان يتم تقديم الاختبارات أو تأجيلها حسب التقويم الدراسي لكل عام.
المحلات التجارية: العديد من المتاجر تغلق أبوابها في الصباح الباكر وتفتح في وقت متأخر من الضحى، ثم تأخذ استراحة عند الإفطار لتعاود النشاط بقوة في الليل.
- الخدمات الطبية: تظل المستشفيات وأقسام الطوارئ تعمل على مدار الساعة، مع تواجد نوبات ليلية مكثفة.
إن اليوم الذي يعتبر عطلة رسمية كبرى هو يوم "عيد الفطر" الذي يلي نهاية شهر رمضان، والذي من المتوقع أن يصادف حوالي 19 مارس 2026، حيث تتوقف كافة الأعمال لعدة أيام للاحتفال.
خاتمة
بداية رمضان في اليمن هي رحلة سنوية نحو الذات ونحو الجماعة. في عام 2026، سيستقبل اليمنيون هذا الشهر بقلوب ملؤها الأمل في السلام والاستقرار. ورغم أن الصعوبات المعيشية قد تثقل كاهل الكثيرين، إلا أن روح رمضان المتمثلة في الصبر والتضامن تظل هي المحرك الأساسي للمجتمع. سواء كنت في شوارع صنعاء القديمة تستنشق رائحة البخور والبن، أو في سواحل عدن تراقب غروب الشمس بانتظار الأذان، فإن رمضان في اليمن يمنحك شعوراً بالانتماء لشيء أكبر من مجرد طقوس؛ إنه انتماء لروح إنسانية تتجلى في أبهى صورها.
استعدوا لاستقبال February 18, 2026 بقلوب صافية، واستمتعوا بتلك الأيام المعدودات التي تمر سريعاً، تاركة وراءها ذكريات من العبادة والسكينة والموائد العامرة بالمحبة قبل الطعام. رمضان كريم، وكل عام واليمن وأهله بألف خير.