عيد الفطر في لبنان: بهجة اللقاء ورمزية العطاء
يعتبر عيد الفطر السعيد في لبنان أكثر من مجرد مناسبة دينية؛ إنه تظاهرة اجتماعية وروحية تعكس جوهر النسيج اللبناني المتنوع. يُعرف هذا العيد بـ "العيد الصغير"، وهو يأتي تتويجاً لشهر رمضان المبارك، شهر الصوم والصلاة والتأمل. في لبنان، يكتسب العيد نكهة خاصة تمتزج فيها التقاليد الإسلامية العريقة بالروح اللبنانية المضيافة، حيث تتحول المدن والقرى من أقصى الشمال في طرابلس إلى أقصى الجنوب في صور، مراراً ببيروت وصيدا والبقاع، إلى ساحات للفرح والتواصل الإنساني.
الجوهر الحقيقي لعيد الفطر في لبنان يكمن في "صلة الرحم". فبعد شهر من التعبّد والامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى الغروب، يأتي العيد ليعيد لم شمل العائلات التي قد تفرقها ظروف الحياة والعمل. إنه الوقت الذي يفتح فيه اللبنانيون قلوبهم قبل أبواب بيوتهم، متجاوزين أي خلافات، ومجددين عهود المحبة والتسامح. في هذا البلد الذي يفتخر بتعدديته، لا يقتصر العيد على المسلمين فقط، بل يشاركهم جيرانهم وأصدقاؤهم من مختلف الطوائف في تبادل التهاني والزيارات، مما يعزز الوحدة الوطنية ويؤكد على العيش المشترك الذي يميز لبنان.
تتجلى خصوصية العيد أيضاً في الجانب الإنساني؛ فقبل أداء صلاة العيد، يحرص اللبنانيون على إخراج "زكاة الفطر" لمساعدة العائلات المحتاجة، لضمان أن يدخل الفرح إلى كل بيت. في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان، تبرز قيم التكافل الاجتماعي بشكل أكبر، حيث تنشط الجمعيات الخيرية والمبادرات الفردية لتوزيع الملابس والحلويات على الأطفال، مما يجعل من العيد محطة للأمل والتفاؤل بمستقبل أفضل.
متى يصادف عيد الفطر في عام 2026؟
ينتظر اللبنانيون بفارغ الصبر قدوم العيد لتنظيم مخططاتهم العائلية ورحلاتهم. وبناءً على الحسابات الفلكية والتقويم المعتمد، فإن موعد عيد الفطر في لبنان سيكون كما يلي:
يصادف العيد يوم: Friday
تاريخ العيد: March 20, 2026
الوقت المتبقي: بقي 76 يوماً على حلول هذه المناسبة السعيدة.
من المهم ملاحظة أن تاريخ عيد الفطر في لبنان هو تاريخ "متغير" وليس ثابتاً في التقويم الميلادي، لأنه يعتمد على التقويم الهجري القمري. يبدأ العيد مع ثبوت رؤية هلال شهر شوال، العاشر في السنة الهجرية. في لبنان، تعلن دار الفتوى (للمسلمين السنة) والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى (للمسلمين الشيعة) عن ثبوت رؤية الهلال، وقد يختلف الموعد أحياناً يوماً واحداً بين المذهبين بناءً على طرق الرصد الفقهية، لكن الاحتفالات الشعبية والرسمية توحد الجميع في هذه الأيام المباركة.
تاريخ وأصول عيد الفطر: من الرسالة إلى التقاليد اللبنانية
تعود أصول عيد الفطر إلى السنة الثانية للهجرة، عندما شرّعه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بعد صيام أول رمضان في الإسلام. ومع دخول الإسلام إلى بلاد الشام وللبنان تحديداً، امتزجت هذه الشعائر الدينية بالثقافة المحلية لإنتاج تقاليد فريدة استمرت لقرون.
في التاريخ اللبناني القديم، كان للعيد طقوس رسمية وشعبية مميزة. في بيروت القديمة، كانت المدافع تطلق إيذاناً بانتهاء شهر رمضان وبدء يوم العيد، وهو تقليد ما زال مستمراً حتى اليوم فيما يعرف بـ "مدفع العيد". كانت العائلات البيروتية العريقة تستعد للعيد قبل أسابيع، حيث يتم تبييض الجدران وشراء الأقمشة الجديدة وتجهيز "صمدية" العيد في صدر البيت.
تاريخياً، كان العيد يمثل فرصة للمصالحة بين العائلات المتخاصمة تحت رعاية وجهاء المناطق والمشايخ. هذه الجذور التاريخية جعلت من العيد في لبنان مؤسسة اجتماعية تساهم في الحفاظ على السلم الأهلي والترابط المجتمعي، حيث يتناقل الأبناء عن الأجداد آداب الزيارة وطرق استقبال الضيوف وتقديم "المعمول" اللبناني الشهير.
طقوس الاحتفال ومظاهر الفرح في الشارع اللبناني
يبدأ يوم العيد في لبنان في وقت مبكر جداً. فمع خيوط الفجر الأولى، تمتلئ مآذن المساجد بالتكبيرات التي تملأ الأجواء روحانية وطمأنينة. "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.." كلمات تتردد في كل زاوية، داعية المؤمنين للتوجه إلى صلاة العيد.
صلاة العيد وزيارة المدافن
يتوجه الرجال والأطفال، مرتدين أبهى ملابسهم الجديدة، إلى المساجد الكبرى مثل مسجد محمد الأمين في وسط بيروت أو المسجد المنصوري الكبير في طرابلس. بعد الصلاة، ومن العادات اللبنانية الأصيلة، يتوجه الكثيرون إلى المدافن لزيارة أحبائهم الذين رحلوا، حيث يقرأون الفاتحة ويوزعون "الرحمة" (وهي عبارة عن كعك أو فاكهة أو حلويات) على أرواح موتاهم، في لفتة وفاء تربط الأحياء بالراحلين حتى في لحظات الفرح.
العيدية وفرحة الأطفال
لا يكتمل العيد في لبنان دون "العيدية". وهي مبالغ نقدية رمزية يعطيها الكبار (الآباء، الأجداد، والأعمام) للأطفال. تعتبر العيدية المحرك الأساسي لبهجة الصغار، حيث يتنافسون في جمع أكبر قدر منها لإنفاقه في مدن الملاهي أو شراء الألعاب. في المناطق الشعبية، تنصب "الأراجيح" الخشبية التقليدية في الساحات، ويجتمع الأطفال حول بائعي غزل البنات والترمس والذرة، مما يخلق لوحة فنية من الفرح الفطري.
موائد العيد والحلويات اللبنانية
الغداء هو الحدث المركزي في يوم العيد. تجتمع العائلة الكبيرة في بيت الجد أو "كبير العائلة". تتصدر المائدة اللبنانية أطباق مثل "المغربية"، "القوزي" (خروف محشي)، أو "المنسف". ولكن النجم الحقيقي للعيد هو
المعمول.
المعمول اللبناني هو فن بحد ذاته؛ يحضر من السميد والزبدة ويحشى بالفستق الحلبي، الجوز، أو التمر. رائحة ماء الزهر وماء الورد التي تفوح من البيوت أثناء تحضير المعمول في أواخر رمضان هي "رائحة العيد" الرسمية في لبنان. كما يشتهر لبنان بتقديم "الكنافة" بالجبن في صباح العيد كوجبة إفطار احتفالية دسمة.
العادات والتقاليد الفريدة في المحافظات اللبنانية
يتميز كل منطقة في لبنان بلمسة خاصة في الاحتفال بالعيد:
- طرابلس (عروس الثورة والحلويات): تعتبر طرابلس عاصمة العيد بامتياز. تشتهر بأسواقها القديمة وحلوياتها التي لا تضاهى. في طرابلس، تستمر الاحتفالات في الشوارع حتى ساعات متأخرة، وتضاء القلعة الأثرية، وتقام حلقات الذكر الصوفي والأناشيد الدينية.
- بيروت: تتميز بيروت بالخلط بين الحداثة والتقليد. فبينما تحافظ الأحياء القديمة مثل الطريق الجديدة وقريطم والبسطة على الطابع الشعبي، تشهد منطقة "الداون تاون" والروشة فعاليات ترفيهية، وحفلات موسيقية، وعروض ألعاب نارية تجذب الآلاف.
- صيدا: في صيدا، لمدينة صيدا القديمة سحر خاص في العيد. يتدفق الناس إلى المقاهي التراثية، وتقام عروض "أبو فوزي" والشخصيات التراثية التي تسلي الأطفال في الساحات العامة.
- الجبل والبقاع: في القرى، يغلب طابع "الضيعة" حيث يطوف الشباب على بيوت القرية بيتاً بيتاً للتهنئة، وغالباً ما تقام الدبكة اللبنانية في الساحات العامة احتفالاً بالعيد.
معلومات عملية للزوار والمغتربين في عيد الفطر
إذا كنت تخطط لزيارة لبنان خلال فترة عيد الفطر في عام 2026، فإليك بعض النصائح الهامة:
الطقس: في شهر آذار (مارس)، يكون الطقس في لبنان ربيعياً معتدلاً وجميلاً جداً. تتراوح درجات الحرارة بين 15 و22 درجة مئوية، مما يجعله وقتاً مثالياً للتنزه في الطبيعة أو الجلوس في المقاهي الرصيفية في بيروت.
الحجوزات: نظراً لأن العيد يعتبر عطلة وطنية كبرى، فإن الفنادق والمطاعم تشهد إقبالاً شديداً. يُنصح بالحجز المسبق، خاصة إذا كنت ترغب في قضاء العيد في مناطق سياحية مثل جبيل، البترون، أو المنتجعات الجبلية.
التنقل: توقع ازدحاماً مرورياً كثيفاً في اليوم الأول والثاني من العيد، حيث تنتقل العائلات بين المدن والقرى للزيارات. من الأفضل استخدام تطبيقات النقل الذكية أو استئجار سيارة مع سائق خبير بالطرق الفرعية.
التسوق: تزدحم الأسواق والمولات (مثل سيتي سنتر، ABC، وأسواق بيروت) بشكل هائل في الأيام التي تسبق العيد "ليلة العيد". إذا كنت ترغب في شراء الملابس أو الهدايا، فافعل ذلك قبل أسبوع على الأقل.
اللغة والتعامل: اللبنانيون شعب ودود للغاية. التهنية الرسمية هي "عيد مبارك" أو "كل عام وأنتم بخير". ستسمع أيضاً العبارة اللبنانية الشهيرة "ينعاد عليكم بالصحة والخير".
هل عيد الفطر عطلة رسمية في لبنان؟
نعم، عيد الفطر هو عطلة رسمية وطنية في الجمهورية اللبنانية، وهو من أهم العطلات في الأجندة السنوية.
مدة العطلة: رسمياً، تمنح الدولة اللبنانية يومين كعطلة رسمية (اليوم الأول واليوم الثاني من العيد). بالنسبة لعام 2026، ستكون العطلة يومي الجمعة March 20, 2026 والسبت 21 آذار.
ما الذي يغلق؟:
الوزارات والمؤسسات الحكومية والبلديات.
المصارف والشركات المالية.
المدارس والجامعات (الرسمية والخاصة).
معظم المكاتب والشركات الخاصة.
ما الذي يبقى مفتوحاً؟:
المطاعم والمقاهي (التي تشهد ذروة عملها في العيد).
المولات والمراكز التجارية (تفتح أبوابها عادة من بعد ظهر اليوم الأول).
المستشفيات والصيدليات (المناوبة).
* الأماكن السياحية والترفيهية.
يجب الانتباه إلى أن بعض القطاعات قد تمدد العطلة إذا صادفت عطلة نهاية الأسبوع، وفي عام 2026، وبما أن العيد يبدأ يوم الجمعة، فمن المتوقع أن يمتد جو الاحتفال والتعطيل الفعلي حتى مساء الأحد، مما يمنح اللبنانيين عطلة نهاية أسبوع طويلة ومثالية للاحتفال.
ختاماً، يبقى عيد الفطر في لبنان رمزاً للصمود والفرح رغم كل التحديات. إنه الوقت الذي يثبت فيه اللبنانيون قدرتهم على حب الحياة والاستمتاع بكل لحظة مع العائلة والأصدقاء، محولين الشوارع والبيوت إلى واحات من السعادة والدفء الإنساني. إن زيارة لبنان في هذا التوقيت تمنح السائح فرصة ذهبية للتعرف على كرم الضيافة اللبناني في أبهى صوره.