عيد الميلاد لدى الطوائف الأرمنية الأرثوذكسية في لبنان: دليل شامل
يُعتبر لبنان ملتقى للحضارات والأديان، وهو البلد الذي يتنفس التعددية في كل تفاصيل حياته اليومية. ومن أبرز تجليات هذا التنوع هو الاحتفال بعيد الميلاد المجيد مرتين؛ المرة الأولى في 25 كانون الأول (ديسمبر) وفق التقويم الغربي، والمرة الثانية في 6 كانون الثاني (يناير) وفق التقويم الذي تتبعه الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية. يمثل هذا العيد، الذي يُعرف محلياً بـ "عيد الميلاد الأرمني"، محطة روحية واجتماعية بالغة الأهمية، حيث تمتزج فيه الطقوس الدينية العريقة بالتقاليد الاجتماعية اللبنانية والأرمنية الفريدة.
إن ما يميز هذا العيد في لبنان ليس فقط طابعه الديني، بل كونه رمزاً للهوية الثقافية للأرمن اللبنانيين، الذين يشكلون جزءاً أساسياً وفاعلاً من النسيج الوطني. في هذا اليوم، تكتسي المناطق ذات الغالبية الأرمنية، مثل برج حمود وعنحر، حلة من القداسة والبهجة، حيث تُفتح الكنائس أبوابها لاستقبال المؤمنين، وتجتمع العائلات حول موائد المحبة، مما يخلق أجواءً من الدفء الإيماني الذي يتحدى برودة الشتاء. إنه يوم لتذكر ميلاد المخلص، وتجديد الروابط العائلية، والاحتفاء بالبقاء والاستمرارية الثقافية.
متى يصادف العيد في عام 2026؟
ينتظر اللبنانيون، وخاصة أبناء الطائفة الأرمنية الأرثوذكسية، هذا اليوم بفارغ الصبر لأداء صلواتهم واحتفالاتهم. في عام 2026، سيصادف العيد في التاريخ واليوم التاليين:
تاريخ العيد: January 6, 2026
يوم العيد: Tuesday
الوقت المتبقي: بقي 3 يوماً على الاحتفال.
من المهم ملاحظة أن هذا التاريخ ثابت سنوياً في لبنان للاحتفال بعيد الميلاد لدى الأرمن الأرثوذكس، وهو يجمع بين ذكرى الميلاد وعيد الغطاس (الظهور الإلهي) في يوم واحد، بخلاف بعض الكنائس الأرثوذكسية الأخرى (مثل الروسية أو الصربية) التي تحتفل بالميلاد في 7 كانون الثاني. يعود هذا الاختلاف إلى تمسك الكنيسة الأرمنية بالتقليد الكنسي القديم الذي كان سائداً في القرون الأولى للمسيحية.
الجذور التاريخية والأهمية الثقافية
تعود جذور المسيحية في لبنان إلى عصر الرسل، وقد لعبت الطوائف الأرثوذكسية دوراً محورياً في صياغة تاريخ هذا الشرق. بالنسبة للأرمن في لبنان، فإن الاحتفال في 6 كانون الثاني ليس مجرد اختلاف في التقويم، بل هو تمسك بجذور كنيستهم التي تأسست في القرن الأول الميلادي. تاريخياً، كان العالم المسيحي أجمع يحتفل بالميلاد والغطاس معاً في هذا التاريخ، حتى قامت روما بتغيير موعد الميلاد إلى 25 كانون الأول في القرن الرابع، بينما حافظت الكنيسة الأرمنية على التقليد الأصلي.
ثقافياً، يمثل العيد في لبنان جسراً بين الشرق والغرب. فالأرمن الذين استقروا في لبنان بعد المآسي التاريخية، حملوا معهم إيمانهم العميق وتقاليدهم، ودمجوها ببراعة مع الكرم والضيافة اللبنانية. أصبح العيد اليوم مناسبة وطنية يشارك فيها اللبنانيون من مختلف الطوائف، سواء عبر تقديم التهاني لجيرانهم وأصدقائهم الأرمن، أو من خلال متابعة الطقوس الدينية المهيبة التي تُنقل عبر وسائل الإعلام.
كيف يحتفل اللبنانيون بهذا العيد؟
تتسم الاحتفالات في لبنان بمزيج من الورع الديني والبهجة الاجتماعية. تبدأ التحضيرات قبل أسابيع من موعد العيد، حيث تُزين المنازل والشوارع، وتنشط الحركة التجارية في الأسواق.
الشعائر الدينية (القداس الإلهي)
تعتبر المشاركة في "القداس الإلهي" الركيزة الأساسية للعيد. تمتلئ كاتدرائية مار غريغوريوس المنور في أنطلياس، وكنائس برج حمود، بالمصلين. يمتاز القداس الأرمني بالألحان الكنسية العريقة (الشاراكان) التي تعود لقرون مضت، وبخور الكنيسة الذي يملأ الأرجاء. في نهاية القداس، تُقام رتبة "تبريك المياه" تيمناً بمعمودية السيد المسيح في نهر الأردن، حيث يتم توزيع الماء المبارك على المؤمنين ليحملوه إلى منازلهم طلباً للبركة والشفاء.
المائدة التقليدية والاجتماعات العائلية
بعد انتهاء الصلاة، تتوجه العائلات إلى المنازل لبدء الاحتفال الاجتماعي. المائدة الأرمنية في هذا اليوم غنية بالأطباق التقليدية التي تحمل دلالات رمزية. من أبرز هذه الأطباق:
السمك: وهو طبق رئيسي يرمز للمسيحية وللطهارة.
الأرز بالزبيب: حيث يرمز الأرز للبشرية والزبيب للرسل الذين اختارهم المسيح.
الكبة اللبنانية: التي تظهر بوضوح التأثر بالمطبخ المحلي، وغالباً ما تُقدم بأنواعها المختلفة.
الحلويات: مثل "الأنوش ابور" (حساء حلو مصنوع من القمح والمكسرات) الذي يرمز للوفرة والخير.
التقاليد الشعبية
من العادات الجميلة في المناطق الأرمنية ببيروت، خروج الجوقات الكنسية والمجموعات الكشفية لزيارة المنازل وترتيل تراتيل الميلاد، مما يضفي أجواءً من الفرح الجماعي. كما يتبادل الناس عبارة التهنئة التقليدية: "كريستوس دزنار يف يادنيدزاف" (المسيح ولد وظهر)، ويكون الرد: "أورنيال إي يادنوتيونين كريستوسي" (مباركة هي ظهوره للمسيح).
دليل الزوار والمغتربين
إذا كنت تخطط لزيارة لبنان خلال هذه الفترة، أو كنت مغترباً عائداً للاحتفال، فإليك بعض النصائح العملية:
- المناطق المستهدفة: للعيش في قلب الحدث، توجه إلى منطقة برج حمود في ضواحي بيروت، أو منطقة عنحر في البقاع. هذه المناطق تتحول إلى خلية نحل من النشاط والزينة.
- المشاركة في القداس: يُنصح بالوصول باكراً إلى الكنائس نظراً للازدحام الشديد. الالتزام باللباس المحتشم ضروري جداً داخل دور العبادة (تغطية الكتفين للرجال والنساء، ويفضل ارتداء ملابس رسمية نوعاً ما). التصوير مسموح في الغالب، لكن يجب أن يتم بهدوء ودون إزعاج المصلين.
- التسوق والحلويات: لا تفوت فرصة زيارة المخابز الأرمنية لتذوق الحلويات الخاصة بالعيد. كما أن الأسواق في برج حمود تقدم تخفيضات مميزة قبل العيد.
- المناخ: يكون الطقس في لبنان خلال شهر كانون الثاني بارداً وماطراً غالباً، مع درجات حرارة تتراوح بين 10 و18 درجة مئوية على الساحل، وأقل من ذلك بكثير في المناطق الجبلية. احرص على ارتداء ملابس شتوية دافئة.
- التنقل: توقع ازدحاماً مرورياً خانقاً في المناطق المحيطة بالكنائس الكبرى صباح يوم العيد. يُفضل استخدام سيارات الأجرة أو تطبيقات النقل وتجنب القيادة الشخصية في المناطق المزدحمة.
هل يعتبر عيد الميلاد الأرمني عطلة رسمية؟
نعم، وفقاً للقانون اللبناني، يُعتبر يوم 6 كانون الثاني عطلة رسمية وطنية تحت مسمى "عيد الميلاد لدى الطوائف الأرمنية الأرثوذكسية" أو "عيد الغطاس".
الإدارات العامة والمدارس: تُغلق جميع الدوائر الحكومية، والوزارات، والبلديات، والمدارس الرسمية والخاصة، والجامعات أبوابها في هذا اليوم.
المصارف: تتوقف المصارف عن العمل، لذا يجب إنهاء المعاملات المالية قبل العيد.
القطاع الخاص: تلتزم معظم الشركات والمؤسسات الخاصة بالعطلة، خاصة في بيروت وجبل لبنان. ومع ذلك، قد تفتح بعض المحلات التجارية الكبرى والمطاعم أبوابها في فترة بعد الظهر لتلبية احتياجات المتنزهين والمحتفلين.
- الخدمات الأساسية: تظل المستشفيات (أقسام الطوارئ) والأجهزة الأمنية والصيدليات المناوبة تعمل كالمعتاد لضمان سلامة المواطنين.
إن هذا اليوم ليس مجرد عطلة من العمل، بل هو تعبير عن احترام الدولة اللبنانية لجميع مكوناتها الروحية، وفرصة لكل لبناني، بغض النظر عن دينه، لمشاركة مواطنيه الأرمن فرحتهم بهذا العيد العظيم. في 2026، سيكون يوم Tuesday الموافق January 6, 2026 يوماً للراحة والتأمل والاحتفال، يجمع القلوب على قيم المحبة والسلام التي نادى بها ميلاد السيد المسيح.