عيد الفصح المجيد (الأرثوذكسي) في الأردن: دليل شامل للروحانية والتقاليد
يعتبر عيد الفصح المجيد، المعروف أيضاً باسم "عيد القيامة" أو "باكا"، أحد أقدس المناسبات الدينية في المملكة الأردنية الهاشمية. يمثل هذا اليوم ذروة التقويم الكنسي للمسيحيين الأرثوذكس، حيث يحتفلون بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات، وهو الحدث الذي يشكل حجر الزاوية في الإيمان المسيحي. في الأردن، يتخذ هذا العيد طابعاً خاصاً يمزج بين الشعائر الدينية العميقة والتقاليد الاجتماعية المتجذرة في الثقافة العربية المشرقية، مما يعكس لوحة من التآخي والتعايش الديني الذي تمتاز به المملكة.
ما يميز عيد الفصح الأرثوذكسي في الأردن هو الروح الجماعية؛ فالاحتفال ليس مجرد طقس فردي، بل هو حراك اجتماعي يشارك فيه الجميع. تبدأ الأجواء بالوقار والخشوع خلال أسبوع الآلام، وتتحول فجأة إلى فرح عارم مع قرع أجراس الكنائس ليلة السبت وفجر الأحد. بالنسبة للمجتمع الأردني، يمثل الفصح فرصة لتجديد الروابط العائلية، ومشاركة الجيران (مسلمين ومسيحيين) في التهاني، وتناول الأطباق التقليدية التي غابت عن الموائد طيلة فترة الصوم الكبير التي استمرت أربعين يوماً.
متى يصادف عيد الفصح الأرثوذكسي في عام 2026؟
يتبع المسيحيون الأرثوذكس في الأردن التقويم اليولياني لتحديد موعد عيد الفصح، وهو ما يجعله يختلف عادةً عن موعد الفصح لدى الكنائس الغربية التي تتبع التقويم الغريغوري. في عام 2026، سيحتفل المسيحيون بهذا العيد في المواعيد التالية:
يوم العيد: Sunday
التاريخ: April 12, 2026
الوقت المتبقي: متبقي 99 يوماً على الاحتفال.
من المهم ملاحظة أن تاريخ عيد الفصح هو تاريخ "متحرك" وليس ثابتاً، حيث يعتمد حسابه على الدورة القمرية والاعتدال الربيعي، ويجب أن يأتي دائماً بعد عيد الفصح اليهودي وفقاً للتقاليد الأرثوذكسية. في عام 2026، سيأتي الفصح الأرثوذكسي بعد أسبوع واحد من الفصح الغربي (الذي يصادف 5 نيسان).
الأهمية الجوهرية للعيد في السياق الأردني
الأردن هو أرض الكتاب المقدس، حيث يضم العديد من المواقع المقدسة مثل المغطس (موقع عماد السيد المسيح) وجبل نيبو وكنائس مأدبا التاريخية. يشكل المسيحيون الأرثوذكس (خاصة الروم الأرثوذكس) الغالبية العظمى من المجتمع المسيحي في الأردن، والذي يمثل حوالي 2-3% من إجمالي السكان.
يُنظر إلى عيد الفصح كرمز للانتصار: انتصار الحياة على الموت، والضوء على الظلمة. بالنسبة للأردنيين، يحمل العيد أيضاً دلالة على الصمود والأمل. تبدأ التحضيرات الفنية والروحية قبل أسابيع من اليوم المنشود، حيث يلتزم المؤمنون بـ "الصوم الكبير"، وهو امتناع عن تناول اللحوم والمشتقات الحيوانية، مما يجعل مائدة يوم الفصح مكافأة روحية وجسدية منتظرة.
التسلسل الزمني للاحتفالات: من الحزن إلى الفرح
تتوزع الاحتفالات بالأسبوع المقدس (أسبوع الآلام) وصولاً إلى يوم العيد على عدة مراحل هامة في الأردن:
1. جمعة الآلام العظيمة (10 نيسان 2026)
تعتبر هذه الجمعة يوماً للوقار الشديد. يتوجه المصلون إلى الكنائس للمشاركة في "جناز المسيح"، حيث يُحمل نعش رمزي مزين بالزهور ويُطاف به في أروقة الكنيسة أو في شوارع البلدات ذات الأغلبية المسيحية مثل الفحيص ومأدبا. تسود نغمات الحزن والترانيم الجنائزية، وتغلق العديد من المحلات التجارية المملوكة للمسيحيين أبوابها أو تخفف من مظاهر الاحتفال.
2. سبت النور
هو اليوم الذي يسبق الأحد، وفيه ينتظر المؤمنون "النور المقدس" الذي ينبثق من كنيسة القيامة في القدس. يتم نقل هذا النور في مراسم رسمية وشعبية مهيبة عبر الحدود إلى الأردن، حيث تستقبله الكشافة الأردنية والمؤمنون بالشموع والقناديل في مطار الملكة علياء الدولي ومن ثم يوزع على الكنائس في كافة أنحاء المملكة.
3. قداس الهجمة (ليلة الأحد)
يبدأ القداس في منتصف الليل. تطفأ الأنوار في الكنيسة تماماً، ثم يخرج الكاهن حاملاً شمعة مضيئة معلناً قيامة المسيح، لتبدأ الأجراس بالقرع بقوة، ويردد الجميع "المسيح قام.. حقاً قام". هذا هو الوقت الذي يتحول فيه الحزن إلى فرح غامر.
التقاليد والعادات الشعبية في الأردن
تتميز الاحتفالات في الأردن بمزيج من الطقوس الدينية والتقاليد المشرقية الأصيلة:
البيض الملون (البيض الأحمر): يعد تلوين البيض أهم تقليد بصري لعيد الفصح. يُصبغ البيض تقليدياً باللون الأحمر ليرمز إلى دم المسيح، بينما ترمز البيضة نفسها إلى القبر المغلق الذي خرجت منه الحياة. يتسابق الأطفال والكبار في "مناقرة البيض"، وهي لعبة شعبية يحاول فيها كل شخص كسر بيضة الآخر، ومن تبقى بيضته سليمة يكون هو الفائز.
المأكولات الفصحية: بعد انتهاء القداس، تجتمع العائلات على مائدة "إفطار العيد". الطبق الرئيسي غالباً ما يكون لحم الضأن (المنسف الأردني حاضر وبقوة في هذه المناسبات كرمز للكرم والهوية الوطنية)، بالإضافة إلى خبز "الشريك" أو "المعمول" المحشو بالفستق الحلبي أو التمر، والذي يتم تحضيره في البيوت قبل العيد بأيام في أجواء احتفالية تشارك فيها النساء من الجيران والأقارب.
الكشافة والمواكب: تلعب المجموعات الكشفية دوراً محورياً في الأردن. تجوب الفرق الكشفية الشوارع بآلاتها الموسيقية (الطبول والقرب) في مدن مثل عمان (منطقة الصويفية والعبدلي) والفحيص والحصن، مما يضفي أجواءً من البهجة الوطنية.
الأماكن الرئيسية للاحتفال في الأردن
إذا كنت في الأردن خلال عيد الفصح الأرثوذكسي عام 2026، فهناك مواقع لا بد من زيارتها لتعيش التجربة الحقيقية:
- مدينة الفحيص: تقع بالقرب من عمان، وتعتبر قلب الاحتفالات المسيحية في الأردن. شوارعها تتزين بالأضواء، وكنائسها تكتظ بالمصلين، والجو العام فيها يوحي بعيد وطني شامل.
- مأدبا (مدينة الفسيفساء): تضم كنيسة القديس جورج (الخارطة)، حيث تقام طقوس أرثوذكسية عريقة تعود لقرون مضت. مأدبا تعكس التلاحم التاريخي بين السكان.
- شارع الرينبو في عمان: رغم طابعه السياحي، إلا أن الكنائس المحيطة به تشهد مراسم جميلة، ويمكن للزوار مشاهدة المواكب الكشفية تمر عبر الشوارع القديمة.
- بلدة الحصن في الشمال: تمتاز بتقاليد ريفية أصيلة في الاحتفال، حيث الروابط العائلية متينة جداً والموائد مفتوحة للجميع.
معلومات عملية للزوار والمغتربين
الملابس: عند زيارة الكنائس خلال القداسات، يُنصح بارتداء ملابس محتسمة ورسمية نوعاً ما (تغطية الأكتاف والركبتين) احتراماً لقدسية المكان والمناسبة.
المشاركة: الكنائس الأرثوذكسية في الأردن ترحب بالزوار، ويمكن لغير المسيحيين حضور القداسات لمشاهدة الطقوس، شرط الحفاظ على الهدوء وعدم استخدام التصوير المزعج أثناء الصلاة.
الطقس: في منتصف نيسان 2026، سيكون الطقس في الأردن ربيعياً مثالياً (تتراوح درجات الحرارة بين 15 و25 درجة مئوية). هذا التوقيت ممتاز للقيام بنزهات عائلية في "دبين" أو "عجلون" بعد قداس العيد، وهو تقليد يتبعه الكثير من الأردنيين.
اللغة: التحية السائدة في هذا اليوم هي "المسيح قام"، والرد عليها يكون "حقاً قام"، أو ببساطة "كل عام وأنت بخير".
الوضع القانوني والعملي للعيد في الأردن
هل عيد الفصح الأرثوذكسي عطلة رسمية؟
في الأردن، يُعتبر عيد الفصح الأرثوذكسي عطلة اختيارية (Optional Holiday). وهذا يعني ما يلي:
- الدوائر الحكومية والبنوك: تبقى مفتوحة بشكل عام وتعمل كالمعتاد، إلا أن الموظفين المسيحيين يُمنحون الحق في أخذ إجازة رسمية للاحتفال بالعيد.
- المدارس: المدارس الخاصة التابعة للكنائس والمدارس التي تضم أعداداً كبيرة من الطلاب المسيحيين تعطل عادةً في يومي الأحد والاثنين (إثنين الفصح). أما المدارس الحكومية فتستمر كالمعتاد، مع السماح للطلبة المسيحيين بالتغيب.
- المحلات التجارية: معظم المحلات في عمان والمناطق الرئيسية تبقى مفتوحة، لكن في مناطق مثل الفحيص أو مأدبا القديمة، قد تجد العديد من المتاجر مغلقة في يوم الأحد لمنح أصحابها فرصة للاحتفال مع عائلاتهم.
- المواصلات: تعمل وسائل النقل العام (الباصات والتكاسي) كالمعتاد دون أي تغيير في المواعيد.
جدول المواعيد المرتبطة بعام 2026
| المناسبة | التاريخ | طبيعتها في الأردن |
| :--- | :--- | :--- |
| الجمعة العظيمة الأرثوذكسية | الجمعة، 10 نيسان | يوم صوم ووقار، قداسات مسائية |
| سبت النور | السبت، 11 نيسان | استقبال النور المقدس، قداس منتصف الليل |
| عيد الفصح المجيد | الأحد، 12 نيسان | يوم العيد الرئيسي، غداء عائلي |
| إثنين الفصح | الاثنين، 13 نيسان | يوم عطلة للمسيحيين، استمرار الزيارات |
خاتمة
عيد الفصح الأرثوذكسي في الأردن ليس مجرد ذكرى دينية، بل هو تجسيد لروح الشرق التي تجمع بين الإيمان العميق والضيافة الكريمة. في April 12, 2026، ستمتلئ سماء الأردن برنين الأجراس وستفوح رائحة البخور والمعمول في الأزقة القديمة، معلنةً مرة أخرى رسالة المحبة والسلام التي انطلقت من هذه الأرض منذ آلاف السنين. سواء كنت مشاركاً في الشعائر أو زائراً يراقب من بعيد، فإن الفصح في الأردن يمنحك شعوراً بالانتماء لنسيج إنساني فريد يتجاوز حدود المعتقدات ليحتفي بالحياة والأمل.