الجمعة العظيمة الأرثوذكسية في الأردن: دليل شامل للذكرى والتقاليد
تعد "الجمعة العظيمة" أو "الجمعة الحزينة" لدى الطوائف المسيحية الأرثوذكسية في المملكة الأردنية الهاشمية واحدة من أكثر الأيام قدسية وروحانية في التقويم الكنسي. هذا اليوم ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو ركن أساسي في الهوية الثقافية والدينية للمسيحيين الأرثوذكس الذين يشكلون جزءاً أصيلاً ومكوناً تاريخياً من نسيج المجتمع الأردني. في هذا اليوم، يستذكر المؤمنون آلام السيد المسيح وصلبه وموته، وهو يوم يغلفه الصمت والخشوع والتأمل في قيم التضحية والفداء.
تتميز الجمعة العظيمة في الأردن بطابع خاص يمزج بين الطقوس الكنسية البيزنطية العريقة وبين العادات الاجتماعية التي تعزز الروابط الأسرية والمجتمعية. فبينما تكتظ الكنائس في عمان، ومادبا، والفحيص، والحصن، والعقبة بالمصلين، تسود حالة من الوقار في الأحياء التي تقطنها غالبية مسيحية، حيث تُغلق بعض المحال التجارية احتراماً لقدسية اليوم، وتُرفع الألحان الجنائزية الحزينة التي تلامس القلوب. إنها مناسبة تعكس التعددية والتعايش الفريد الذي يميز الأردن، حيث يشارك المسلمون جيرانهم المسيحيين مشاعر الاحترام في أعيادهم وأحزانهم الدينية.
متى يصادف هذا اليوم في عام 2026؟
تتبع الكنائس الأرثوذكسية في الأردن (مثل الروم الأرثوذكس، والأرمن الأرثوذكس، والسريان الأرثوذكس) التقويم اليولياني القديم في تحديد موعد عيد الفصح والجمعة العظيمة، وهو ما يجعل موعدها يختلف غالباً عن الكنائس الغربية التي تتبع التقويم الغريغوري.
في عام 2026، ستوافق الجمعة العظيمة الأرثوذكسية في التاريخ التالي:
اليوم: Friday
التاريخ: April 10, 2026
الوقت المتبقي: متبقي 97 يوماً على هذه المناسبة.
من المهم ملاحظة أن تاريخ الجمعة العظيمة هو تاريخ متغير وليس ثابتاً، حيث يعتمد على الدورة القمرية والاعتدال الربيعي وفقاً للحسابات الكنسية التقليدية التي أقرت في مجمع نيقية عام 325 ميلادي. وغالباً ما يكون هناك فارق زمني يصل إلى أسبوع أو أكثر بين احتفالات الكنائس الشرقية والغربية، إلا في سنوات معينة حين يتوافق التقويمان ويحتفل الجميع في ذات الوقت.
الجذور التاريخية واللاهوتية للجمعة العظيمة
تعود جذور هذا اليوم إلى الأحداث التاريخية التي سبقت قيامة المسيح، وهي أحداث مسجلة بدقة في الأناجيل الأربعة. تبدأ القصة اللاهوتية من ليلة الخميس (خميس الأسرار) وتستمر حتى موت المسيح على الصليب في وقت الظهيرة من يوم الجمعة. بالنسبة للأرثوذكس في الأردن، فإن إحياء هذه الذكرى هو استمرارية لتقليد كنسي يمتد لألفي عام في بلاد الشام، وهي المنطقة التي شهدت فجر المسيحية.
تعتبر الجمعة العظيمة ذروة "أسبوع الآلام". والهدف من هذا اليوم ليس فقط الحزن على موت المسيح، بل التأمل في محبته للبشرية وقبوله الظلم والصلب من أجل الخلاص. في اللاهوت الأرثوذكسي، يُنظر إلى صليب المسيح ليس كعلامة هزيمة، بل كجسر نحو القيامة. لذلك، فإن الصلوات في الكنائس الأردنية في هذا اليوم تتسم بالعمق الفلسفي والروحي، حيث يتم التركيز على "إخلاء الذات" والتواضع.
التقاليد والطقوس الكنسية في الأردن
تبدأ مراسيم الجمعة العظيمة في الأردن منذ الصباح الباكر وتستمر حتى المساء، وتتوزع على عدة مراحل طقسية مهيبة:
1. صلوات الساعات الملكية
في صباح يوم الجمعة، تجتمع الرعايا في الكنائس لقراءة "الساعات الملكية"، وهي قراءات من المزامير والأنبياء والأناجيل التي تنبأت بآلام المسيح ووصفتها. يُطلق عليها "ملكية" لأن الأباطرة البيزنطيين كانوا يحضرونها قديماً، وفي الأردن، يحضرها المؤمنون بوقار شديد، وغالباً ما يرتدي المصلون ملابس سوداء أو داكنة تعبيراً عن الحزن.
2. صلاة إنزال المصلوب
في فترة الظهيرة (الساعة الثالثة تقريباً، وهي الساعة التي أسلم فيها المسيح الروح بحسب الإيمان المسيحي)، تُقام صلاة خاصة يتم فيها تمثيل عملية إنزال جسد المسيح عن الصليب. يتم لف أيقونة تمثل جسد المسيح (تسمى "الإبيتافيوس" أو النعش) بكتان أبيض نقي، وتُوضع في وسط الكنيسة في ضريح مزين بالزهور والورود الطبيعية التي يحضرها المؤمنون من بيوتهم.
3. جنازة المسيح (الزياح)
هذا هو الجزء الأكثر تأثيراً وشعبية في الأردن. في المساء، تُقام صلاة "جنازة المسيح"، حيث تُرتل "تقاريظ الجناز" بألحان شجية. بعد ذلك، يخرج المصلون في "زياح" أو موكب مهيب يطوف حول الكنيسة أو في الشوارع المحيطة بها (خاصة في مدن مثل الفحيص ومادبا والحصن). يُحمل "النعش" المزين بالزهور على أكتاف الشباب، ويحمل الأطفال الشموع، وتدق الأجراس دقات حزينة وبطيئة. يمر المصلون من تحت النعش تبركاً، في مشهد يجمع بين الخشوع والانتماء الديني العميق.
العادات والتقاليد الشعبية في البيت الأردني
إلى جانب الطقوس الكنسية، هناك عادات اجتماعية وغذائية يحرص عليها الأردنيون الأرثوذكس في هذا اليوم:
الصيام الصارم: يعتبر يوم الجمعة العظيمة يوم صيام انقطاعي كلي للكثيرين، حيث يمتنع المؤمنون عن الطعام والشراب حتى ساعة متأخرة من النهار. وحتى عند الإفطار، يلتزمون بتناول أطعمة بسيطة خالية من الزيوت واللحوم والمشتقات الحيوانية.
شرب الخل: في بعض العائلات التقليدية، يتذوق أفراد الأسرة القليل من الخل الممزوج بالمرارة، استذكاراً لما قُدم للمسيح وهو على الصليب، وهي حركة رمزية تهدف إلى مشاركة المسيح آلامه.
تحضير "المعمول" و"أقراص العيد": تبدأ النساء في الأردن في هذا اليوم (أو اليوم الذي يسبقه) بتحضير حلويات العيد، وأهمها "المعمول" المحشو بالتمر أو الجوز. ويقال إن شكل المعمول الدائري يرمز إلى إكليل الشوك الذي وُضع على رأس المسيح، أو إلى القبر الفارغ.
تزيين البيض: يتم سلق البيض وتلوينه، وغالباً ما يُستخدم اللون الأحمر حصراً في الجمعة العظيمة ليرمز إلى دم المسيح الذي سُفك، وهو تقليد قديم جداً تحافظ عليه العائلات الأردنية.
الفرق بين التقويمين الشرقي والغربي
من الأسئلة الشائعة في الأردن: لماذا لا يحتفل الجميع بالجمعة العظيمة في نفس اليوم؟
السبب يعود إلى أن الكنائس الأرثوذكسية ترفض تغيير التقويم الذي أقره مجمع نيقية، والذي يشترط أن يأتي عيد الفصح بعد الاعتدال الربيعي وبعد فصح اليهود. بينما الكنائس الغربية (اللاتين والروم الكاثوليك) تتبع التقويم الغريغوري الحديث.
في الأردن، وبروح من الوحدة الوطنية، اتفقت الكنائس منذ سنوات طويلة على توحيد الاحتفال بالأعياد، بحيث يحتفل الجميع بعيد الميلاد وفق التقويم الغربي (25 كانون الأول)، ويحتفل الجميع بعيد الفصح والجمعة العظيمة وفق التقويم الشرقي (الأرثوذكسي). وهذا التوافق جعل من "الجمعة العظيمة الأرثوذكسية" الموعد الرسمي والوطني للاحتفال الديني لكافة المسيحيين في المملكة في أغلب الأحيان.
الجمعة العظيمة في المجتمع الأردني: تعايش واحترام
الأردن نموذج عالمي في العيش المشترك. في يوم الجمعة العظيمة، تجد احتراماً كبيراً من المواطنين المسلمين لمشاعر إخوانهم المسيحيين. لا تُقام الحفلات الصاخبة في المناطق المختلطة، وتنتشر برقيات التهنئة والمواساة الدينية. كما تحرص الأجهزة الأمنية والجهات الحكومية على تأمين محيط الكنائس لتسهيل حركة المصلين وضمان سلامة المواكب الدينية التي تجوب الشوارع.
بالنسبة للسياح والزوار الذين يتواجدون في الأردن خلال 2026، فإن زيارة مدينة مادبا أو الفحيص في هذا اليوم توفر تجربة ثقافية ودينية فريدة. رائحة البخور التي تفوح من الكنائس القديمة، وأصوات الجوقات التي ترتل باللغة العربية واليونانية، تمنح الزائر شعوراً بالتواصل مع التاريخ القديم لهذه الأرض المقدسة.
معلومات عملية للمواطنين والزوار في عام 2026
إذا كنت تخطط لقضاء يوم الجمعة العظيمة في الأردن، إليك بعض المعلومات الهامة:
- هل هو عطلة رسمية؟
رغم الأهمية الدينية الكبيرة لهذا اليوم، فإن الجمعة العظيمة الأرثوذكسية
ليست عطلة رسمية شاملة في المملكة الأردنية الهاشمية. البنوك، الدوائر الحكومية، والمؤسسات الرسمية تتبع جدول أعمالها الاعتيادي (مع مراعاة أن يوم الجمعة هو عطلة نهاية الأسبوع الرسمية في الأردن لكافة قطاعات الدولة). المحلات التجارية والأسواق تعمل بشكل طبيعي، باستثناء بعض المحلات المملوكة للمسيحيين في مناطق معينة قد تغلق أبوابها أو تفتح لساعات محدودة للسماح لأصحابها بحضور الصلوات.
- المواصلات والخدمات:
بما أن اليوم يوافق يوم جمعة، فإن حركة المواصلات العامة قد تكون أقل من المعتاد، وتغلق معظم المؤسسات الحكومية والخاصة أبوابها كجزء من عطلة نهاية الأسبوع التقليدية في الأردن. المطاعم والمقاهي تظل مفتوحة، ولكن يُنصح بالتحقق من المواعيد في المناطق ذات الغالبية المسيحية.
- المشاركة في الصلوات:
الكنائس الأرثوذكسية ترحب بالجميع لمشاهدة المراسيم بشرط التزام الهدوء والوقار وارتداء ملابس محتشمة تتناسب مع قدسية المكان والمناسبة. تبدأ صلوات الجناز المسائية عادة بين الساعة السادسة والسابعة مساءً.
- المواقع الموصى بزيارتها:
كنيسة الروم الأرثوذكس في الفحيص: تشهد أكبر تجمع وتتميز بزياح مهيب في شوارع البلدة.
كنيسة خارطة مادبا: حيث يمتزج عبق التاريخ البيزنطي بالطقوس الحية.
عمان القديمة (العبدلي وجبل عمان): حيث توجد كنائس أرثوذكسية تاريخية تقام فيها صلوات رائعة.
الخاتمة
إن الجمعة العظيمة الأرثوذكسية في الأردن هي أكثر من مجرد ذكرى دينية؛ إنها تجسيد لعمق الإيمان واستمرارية التقاليد في أرض شهدت ولادة وتطور الديانات السماوية. في تاريخ April 10, 2026 من عام 2026، سيتوقف الزمن قليلاً لدى آلاف الأردنيين للتأمل في قيم المحبة والتضحية، وسيرفعون صلواتهم من أجل السلام في الأردن والعالم، مؤكدين أن الصليب ليس نهاية الطريق، بل هو البوابة نحو فجر القيامة الذي يحتفلون به بعد يومين.
سواء كنت مؤمناً يمارس طقوسه، أو باحثاً عن الثقافة، أو زائراً للملكة، فإن الجمعة العظيمة تمنحك فرصة لرؤية وجه الأردن الروحي والانسجام الفريد بين أبنائه، في يوم يمتزج فيه الحزن بالرجاء، والماضي بالحاضر.