عيد الفصح المجيد لدى الطوائف الأرثوذكسية في لبنان: جوهر القيامة والتقاليد العريقة
يعتبر عيد الفصح المجيد، أو "عيد القيامة"، الذروة الروحية والحدث الأسمى في التقويم الكنسي الأرثوذكسي في لبنان. هذا البلد الذي يتميز بتنوعه الطائفي الفريد، يولي أهمية قصوى لهذا العيد الذي يجسد انتصار الحياة على الموت، والنور على الظلمة. بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكس في لبنان، والذين يشكلون ركيزة أساسية من نسيج المجتمع اللبناني (لاسيما طائفة الروم الأرثوذكس، والأرمن الأرثوذكس، والسريان الأرثوذكس)، فإن هذا العيد ليس مجرد ذكرى دينية عابرة، بل هو تجديد للعهد والرجاء، واحتفاء بالخلاص الذي تممه السيد المسيح بقيامته من بين الأموات في اليوم الثالث.
ما يجعل هذا العيد مميزاً في لبنان هو التمازج العميق بين التقوى الدينية والتقاليد الاجتماعية المتوارثة عبر الأجيال. فبعد فترة الصوم الكبير التي تمتد لأربعين يوماً، بالإضافة إلى أسبوع الآلام، يأتي عيد الفصح لينشر الفرح في القلوب والبيوت. تزدان الكنائس بالأبيض، وتفوح رائحة البخور والزهر في الأحياء القديمة من بيروت إلى طرابلس وزحلة وقرى الجبل. إنها فترة تعكس الروح اللبنانية في أبهى صورها؛ حيث تجتمع العائلات، وتُفتح الأبواب للزوار، وتُقام الموائد العامرة التي تنهي فترة الانقطاع عن الزفر، لتعيد صياغة الروابط الأسرية والاجتماعية في أجواء من المحبة والتسامح.
تتجلى خصوصية الفصح الأرثوذكسي في لبنان أيضاً من خلال "سبت النور" الذي يسبق أحد القيامة، حيث ينتظر المؤمنون بلهفة وصول النور المقدس من كنيسة القيامة في القدس. يُنقل هذا النور جواً إلى مطار بيروت الدولي، ومنه يتوزع إلى مختلف الكنائس والأديرة في كافة الأراضي اللبنانية. مشهد المؤمنين وهم يحملون الشموع المضاءة من هذا النور المبارك في أزقة بيروت العتيقة وقرى الكورة والمتن وراشيا، يرسم لوحة إيمانية لا تُنسى، تربط الأرض بالسماء وتؤكد على جذور المسيحية المشرقية الضاربة في عمق التاريخ اللبناني.
متى يصادف عيد الفصح الأرثوذكسي في 2026؟
يتبع عيد الفصح لدى الطوائف الأرثوذكسية في لبنان التقويم اليولياني (الشرقي)، وهو ما يجعله غالباً ما يختلف في تاريخه عن عيد الفصح لدى الطوائف التي تتبع التقويم الغريغوري (الغربي). في عام 2026، سيحتفل اللبنانيون بهذا العيد المبارك وفق المواعيد التالية:
يوم العيد: هو يوم Sunday الموافق April 12, 2026.
الوقت المتبقي: لا يفصلنا عن هذا اليوم المجيد سوى 99 يوماً.
إن تاريخ عيد الفصح هو تاريخ متغير وغير ثابت من سنة إلى أخرى. يعود السبب في ذلك إلى القواعد الكنسية التي وضعت في مجمع نيقية عام 325 ميلادية، والتي تقضي بأن يُحتفل بالعيد في الأحد الأول الذي يلي اكتمال القمر (بدر الربيع) بعد الاعتدال الربيعي، وبشرط أن يأتي بعد عيد الفصح اليهودي. وبسبب اعتماد الكنيسة الأرثوذكسية على التقويم اليولياني في حساب هذه التواريخ، يقع الفصح الأرثوذكسي في عام 2026 بعد أسبوع واحد من الفصح الغربي (الذي يصادف في 5 نيسان 2026). هذا التباين في التوقيت يمنح لبنان موسمين من الأعياد، مما يطيل أمد الأجواء الاحتفالية في البلاد.
الجذور التاريخية والمعاني الروحية
تضرب جذور المسيحية الأرثوذكسية في لبنان إلى العصور المسيحية الأولى، حيث كانت المدن الفينيقية الساحلية مثل صور وصيدا وبيروت من أوائل المحطات التي زارها الرسل. ومنذ تلك القرون، حافظ الأرثوذكس اللبنانيون على الطقوس البيزنطية العريقة التي تعطي لعيد الفصح هيبة وجلالاً خاصاً.
تاريخياً، يرتبط العيد بقصة قيامة يسوع المسيح كما وردت في الأناجيل. تبدأ التحضيرات الروحية بالصوم الكبير، وهو رحلة توبة وتنقية للنفس والجسد. يمتنع المؤمنون خلالها عن تناول اللحوم ومشتقات الحليب، متمثلين بصيام المسيح في البرية. تبلغ هذه الرحلة ذروتها في "أسبوع الآلام"، حيث تستذكر الكنيسة تفاصيل اللحظات الأخيرة للمسيح، من دخوله الانتصاري إلى أورشليم (أحد الشعانين)، مروراً بالعشاء السري (خميس الأسرار)، وصولاً إلى الصلب والدفن (الجمعة العظيمة).
في لبنان، تحمل الجمعة العظيمة طابعاً جنائزياً مهيباً؛ حيث تُقام رتبة "دفن المسيح" وتُحمل "النعوش" المزينة بالزهور في تطوافات تجوب الشوارع، بينما تصدح التراتيل البيزنطية الحزينة مثل "قامت مريم" و"يا نساء العالمين". لكن هذا الحزن يتحول فجأة عند منتصف ليل السبت إلى فرح غامر مع إعلان القيامة بصرخة "المسيح قام! حقاً قام!".
كيف يحتفل اللبنانيون بعيد الفصح الأرثوذكسي؟
الاحتفال في لبنان هو مزيج رائع بين الشعائر الدينية الصارمة والبهجة الشعبية العارمة. يبدأ العيد فعلياً في منتصف الليل بين السبت والأحد:
قداس الهجمة والقيامة
يتدفق الآلاف إلى الكنائس، مثل كاتدرائية القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في وسط بيروت، للمشاركة في "صلاة الهجمة". في هذه الصلاة، تُطفأ الأنوار تماماً داخل الكنيسة لترمز إلى القبر، ثم يخرج الكاهن حاملاً شمعة مضاءة من النور المقدس وهو يرتل "تعالوا خذوا نوراً من النور الذي لا يغرب". يتبعه المؤمنون بشموعهم في زياح حول الكنيسة، وعند العودة، يقرع الكاهن أبواب الكنيسة المغلقة بقوة، في حوار طقسي يرمز إلى كسر أبواب الجحيم، لتدخل الحشود الكنيسة المضاءة بالكامل وسط قرع الأجراس والتراتيل الاحتفالية.
مائدة العيد اللبنانية
بعد انتهاء القداس الإلهي في ساعات الفجر الأولى، تعود العائلات إلى منازلها لبدء "كسر الصيام". المائدة اللبنانية في عيد الفصح هي تحفة فنية بحد ذاتها، وتتضمن أطباقاً لا يمكن تصور العيد بدونها:
- الخروف المحشي: يعتبر اللحم هو الطبق الرئيسي بعد انقطاع طويل، وغالباً ما يُقدم الخروف المشوي أو "الموزات" مع الأرز المتبل بالمكسرات.
- المعمول: هو ملك الحلويات في الفصح. تنشغل النسوة قبل العيد بأيام في تحضير المعمول المحشو بالفستق الحلبي، الجوز، أو التمر. يُرش عليه السكر الناعم كرمز للنقاء والفرح.
- البيض المسلوق والملون: يتم تلوين البيض باللون الأحمر بشكل أساسي، وهو يرمز إلى دم المسيح الذي أُريق من أجل الحياة، بينما تمثل البيضة نفسها القبر الذي خرجت منه الحياة.
التقاليد والعادات الشعبية
تتعدد العادات التي تميز المجتمع الأرثوذكسي اللبناني، ومن أبرزها:
المناقشة بالبيض (المفاقشة): هي اللعبة الأكثر شعبية بين الصغار والكبار على حد سواء. يختار كل شخص بيضة مسلوقة، ويحاول "نقر" بيضة الخصم. الشخص الذي تبقى بيضته سليمة يُعتبر هو الرابح، وتُعد هذه اللعبة رمزاً لكسر جدران القبر والقيامة.
الزيارات العائلية: يُعتبر يوم الأحد يوماً مقدساً للعائلة. يزور الأبناء والمنسبون "بيت العيلة" (منزل الأهل أو الجد والجدة). يُعد هذا الترابط الأسري قيمة جوهرية في الثقافة اللبنانية، حيث تُحل الخلافات وتتجدد الروابط.
الثياب الجديدة: من العادات المرتبطة بالعيد شراء ملابس جديدة للأطفال، تعبيراً عن "الإنسان الجديد" الذي وُلد مع القيامة.
المعايدة: العبارة الشهيرة التي تتردد في كل مكان هي "المسيح قام"، والرد عليها يكون "حقاً قام". كما تُستخدم عبارة "ينعاد عليك" أو "كل سنة وأنت سالم".
معلومات عملية للزوار والمغتربين
إذا كنت تخطط لزيارة لبنان خلال فترة عيد الفصح الأرثوذكسي في عام 2026، فإليك بعض النصائح الهامة:
- الأجواء والمناخ: يصادف العيد في شهر نيسان، وهو من أجمل الشهور في لبنان. يكون الطقس ربيعياً بامتياز، حيث تتراوح درجات الحرارة بين 15 و25 درجة مئوية، مما يسمح بإقامة الموائد في الحدائق أو في القرى الجبلية.
- أين تذهب؟: للحصول على تجربة روحية عميقة، ننصح بزيارة الأديرة الأرثوذكسية العريقة مثل دير سيدة البلمند في الكورة، أو دير مار يعقوب في ددّه. أما في بيروت، فإن منطقة الأشرفية (السيوفي، الجعيتاوي، مار متر) تكتسي حلة العيد وتنبض بالحياة والاحتفالات.
- التنقل والمرور: تشهد الطرقات المؤدية إلى القرى الجبلية ازدحاماً كبيراً يومي السبت والأحد بسبب توجه سكان المدن إلى قراهم الأصلية للاحتفال. يُفضل التنقل في وقت مبكر.
- قواعد السلوك: عند زيارة الكنائس، يُتوقع من الزوار ارتداء ملابس محتشمة ورسمية نوعاً ما احتراماً لقدسية المكان. التصوير مسموح عادةً ولكن يفضل تجنب استخدام "الفلاش" أثناء اللحظات الخشوعية في القداس.
- المطاعم والأسواق: تكون الأسواق في المناطق المسيحية مزدحمة جداً في الأيام التي تسبق العيد (أسبوع الآلام). يوم الأحد، تغلق معظم المحلات التجارية الصغيرة أبوابها، لكن المطاعم الكبرى تفتح لتقديم "غداء العيد" الخاص، ومن الضروري الحجز مسبقاً.
هل عيد الفصح الأرثوذكسي عطلة رسمية في لبنان؟
نعم، يُعتبر عيد الفصح الأرثوذكسي عطلة رسمية وطنية في لبنان، وهذا يعكس احترام الدولة للتعددية الدينية.
يوم الأحد (April 12, 2026): هو يوم العطلة الرئيسي. تغلق فيه الدوائر الحكومية والبلديات والمؤسسات العامة والخاصة.
الإثنين (إثنين الفصح): الذي يصادف 13 نيسان 2026، هو أيضاً عطلة رسمية للمدارس والجامعات والمصارف ومعظم المؤسسات الرسمية. يُعرف هذا اليوم بـ "إثنين الفصح" أو "إثنين الموتى" (حيث جرت العادة قديماً على زيارة المدافن وتوزيع المأكولات عن أرواح الراحلين).
- الجمعة العظيمة: التي تسبق العيد بيومين (10 نيسان 2026)، هي أيضاً يوم عطلة رسمية يشهد إغلاقاً تاماً للمؤسسات احتراماً لذكرى صلب المسيح.
في الختام، يمثل عيد الفصح الأرثوذكسي في لبنان لوحة متكاملة من الإيمان، التراث، والضيافة اللبنانية المشهورة. إنه الوقت الذي يتوقف فيه الزمن قليلاً ليعطي المجال للروح كي تتنفس، وللعائلات كي تجتمع، وللمجتمع اللبناني بكافة أطيافه كي يشارك جيرانه وأصدقاءه فرحة القيامة. سواء كنت مؤمناً يشارك في الصلوات، أو زائراً يتذوق المعمول والبيض الملون، فإن سحر الفصح في لبنان سيترك في نفسك أثراً لا يمحى.