الجمعة العظيمة لدى الطوائف الأرثوذكسية في لبنان: دليل شامل ومعمق
تعتبر الجمعة العظيمة، أو "جمعة الآلام"، من أقدس الأيام في التقويم المسيحي الأرثوذكسي في لبنان، وهي ذكرى سنوية تتسم بالخشوع والوقار الشديدين. في هذا اليوم، يستذكر المسيحيون الأرثوذكس (الروم الأرثوذكس، والأرمن الأرثوذكس، والسريان الأرثوذكس) في كافة أرجاء الوطن، من بيروت إلى الكورة، ومن زحلة إلى عكار، صلب السيد المسيح وموته على الصليب من أجل خلاص البشرية. إنها لحظة توقف زمنية في صخب الحياة اللبنانية، حيث تكتسي الكنائس باللون الأسود، وتصمت الأجراس الحزينة لتفسح المجال للصلاة والتأمل العميق في سر الفداء.
ما يميز هذا اليوم في لبنان هو التمازج الفريد بين الطقوس الدينية العريقة والنسيج الاجتماعي المتنوع. فلبنان، بتركيبته الطائفية الفريدة، يخصص حيزاً كبيراً لهذه المناسبة ضمن تقويمه الوطني. الجمعة العظيمة الأرثوذكسية ليست مجرد طقس كنسي، بل هي تجربة روحية واجتماعية تعكس هوية شريحة واسعة من اللبنانيين المتمسكين بجذورهم المشرقية وتقاليدهم التي تعود إلى قرون مضت. في هذا اليوم، يشعر المرء بمسحة من الحزن المقدس تغلف القرى والمدن، حيث تغيب مظاهر الفرح والاحتفالات، وتتحول البيوت إلى أماكن للصلاة الصامتة والزهد.
متى تصادف الجمعة العظيمة الأرثوذكسية في 2026؟
يتم تحديد موعد الجمعة العظيمة لدى الطوائف الأرثوذكسية بناءً على التقويم اليولياني، وهو ما يجعل تاريخها يختلف غالباً عن الجمعة العظيمة لدى الطوائف الكاثوليكية التي تتبع التقويم الغريغوري. في عام 2026، ستكون المواعيد على النحو التالي:
يوم المناسبة: Friday
التاريخ المحدد: April 10, 2026
الوقت المتبقي: يتبقى 97 يوماً حتى حلول هذا اليوم المقدس.
من المهم ملاحظة أن هذا التاريخ متغير سنوياً؛ فهو مرتبط بحسابات الفصح الأرثوذكسي الذي يعتمد على الدورة القمرية والاعتدال الربيعي، ويشترط ألا يسبق عيد الفصح اليهودي. في لبنان، يحتفل المسيحيون الذين يتبعون التقويم الغربي بالجمعة العظيمة في تاريخ مختلف (غالباً ما يسبق التاريخ الأرثوذكسي)، مما يجعل لبنان يعيش "جمعتين عظيمتين" في كثير من السنوات، وهو ما يعكس التنوع الديني العميق في البلاد.
الجذور التاريخية واللاهوتية للجمعة العظيمة
تعود جذور هذا اليوم إلى بدايات المسيحية، حيث كان المؤمنون الأوائل يخصصون أياماً للصوم والصلاة تذكاراً لآلام المسيح. في الكنيسة الأرثوذكسية، تُعتبر هذه الجمعة ذروة "أسبوع الآلام". اللاهوت الأرثوذكسي يركز في هذا اليوم على "إخلاء الذات"؛ فالمسيح، الإله المتجسد، يقبل الموت طوعاً لكسر شوكة الموت.
في التاريخ اللبناني، لعبت الكنيسة الأرثوذكسية دوراً محورياً في الحفاظ على الهوية العربية والمشرقية. لذا، فإن طقوس الجمعة العظيمة في لبنان تحمل نكهة محلية مميزة، حيث تمتزج الألحان البيزنطية العريقة باللغة العربية الفصحى، مما يخلق أجواءً روحانية تأخذ المصلين إلى عوالم من التجلي. التاريخ يخبرنا أن اللبنانيين، حتى في أحلك ظروف الحروب والأزمات، لم يتخلوا يوماً عن إحياء هذه المراسم، معتبرين أن آلام المسيح هي مرآة لآلامهم الشخصية والوطنية، وأن القيامة هي الرجاء الحتمي.
التقاليد والطقوس الدينية في الكنائس اللبنانية
تبدأ الاستعدادات للجمعة العظيمة منذ الصباح الباكر، وتستمر حتى ساعات الليل المتأخرة. تتضمن الخدمة الكنسية عدة محطات أساسية:
- قراءة الأناجيل الاثني عشر: تبدأ عادة مساء الخميس (سحرية الجمعة)، حيث تُقرأ الفصول التي تتحدث عن خيانة يهوذا، محاكمة المسيح، وصلبه. في لبنان، يحرص المؤمنون على حضور هذه الخدمة الطويلة، ويقوم الكثيرون بإشعال الشموع عند كل قراءة إنجيلية.
- ساعات الآلام: في صباح الجمعة، تُقام صلوات "الساعات" التي تتبع مراحل الصلب ساعة بساعة. يسود صمت مطبق في الكنائس، وتُنزع الزينة الملونة وتُستبدل بأقمشة سوداء أو أرجوانية داكنة.
- رتبة إنزال المصلوب: وهي من أكثر اللحظات تأثيراً في الوجدان اللبناني. يتم إنزال جسد المسيح (الممثل بأيقونة أو مجسم) عن الصليب، ويُلف بكتان أبيض نظيف.
- جناز المسيح (الزياح): في فترة بعد الظهر أو المساء، يُقام "جناز المسيح". يتم وضع "النعش" (وهو سرير خشبي مزين بأجمل الزهور الطبيعية التي يجمعها أبناء الرعية) في وسط الكنيسة. يبدأ المؤمنون بالمرور تحت النعش تبركاً، في حركة ترمز إلى الدخول مع المسيح في قبره. ثم يخرج المصلون في مسيرة مهيبة (زياح) تجوب شوارع القرى والمدن، حاملين النعش المزين، ومنشدين "تقاريظ الجناز" بأصوات شجية يختلط فيها الحزن بالرجاء.
في مدن مثل زحلة، التي تُعرف بـ "مدينة الكنائس"، تأخذ هذه المسيرات طابعاً شعبياً واسعاً، حيث يشارك فيها الآلاف، وتُضاء الشموع على الشرفات، ويخيم جو من الوقار على المدينة بأكملها.
العادات الاجتماعية والغذائية في هذا اليوم
الجمعة العظيمة هي يوم صوم انقطاعي صارم لدى الأرثوذكس في لبنان. يمتنع الكثيرون عن الطعام والشراب تماماً حتى ساعة الغروب، أو يكتفون بتناول مأكولات بسيطة جداً.
الطعام: يلتزم اللبنانيون في هذا اليوم بتناول "المجدرة" (عدس وبرغل) أو "المخللات" والخضروات، بعيداً عن أي مشتقات حيوانية (لحم، حليب، بيض) وحتى الزيت في بعض التقاليد الأكثر صرامة. هناك عادة شعبية تتمثل في شرب "الخل" أو تذوقه، تذكاراً للخل الذي قُدم للمسيح وهو على الصليب.
حزن منزلي: تغيب الموسيقى تماماً عن البيوت اللبنانية في هذا اليوم. الراديو والتلفزيون يبثان التراتيل البيزنطية والأغاني الدينية الحزينة (مثل تراتيل السيدة فيروز "أنا الأم الحزينة" و"اليوم عُلّق على خشبة").
الزيارات: تقتصر الزيارات على الأقارب من أجل الذهاب معاً إلى الكنيسة. يسود هدوء غير معتاد في الأحياء الأرثوذكسية، حيث تُغلق المحلات التجارية أبوابها احتراماً للمناسبة.
الجمعة العظيمة كعطلة رسمية ونظام العمل
في لبنان، وبموجب القوانين الناظمة للعطل والأعياد، تُعتبر الجمعة العظيمة (سواء الغربية أو الشرقية) عطلة رسمية وطنية. وهذا يعكس اعتراف الدولة اللبنانية بالتعددية الطائفية وحق كل طائفة في ممارسة شعائرها.
الإدارات العامة: تُغلق جميع الوزارات، والبلديات، والمؤسسات العامة أبوابها في April 10, 2026.
القطاع التربوي: المدارس والجامعات (الرسمية والخاصة) تكون في عطلة، وغالباً ما تمتد هذه العطلة لتشمل أسبوع الآلام كاملاً أو بضعة أيام منه.
القطاع المصرفي والمالي: تغلق المصارف أبوابها، لذا يُنصح دائماً بإنهاء المعاملات المالية قبل هذا التاريخ.
القطاع الخاص: معظم الشركات والمحلات التجارية في المناطق ذات الأغلبية المسيحية تغلق تماماً. أما في المناطق المختلطة أو ذات الأغلبية المسلمة، فقد تظل بعض المحلات مفتوحة، لكن الحركة التجارية تكون أهدأ من المعتاد.
- الخدمات الأساسية: تظل المستشفيات، والمراكز الأمنية، وخدمات الطوارئ تعمل كالمعتاد لضمان سلامة المواطنين.
بالنسبة للمغتربين أو السياح الذين يزورون لبنان خلال هذه الفترة، من المهم معرفة أن البلاد تدخل في حالة من شبه التوقف في هذا اليوم. التنقل بين المناطق قد يكون أسهل بسبب خلو الشوارع من السيارات، ولكن يجب التخطيط مسبقاً لأن العديد من المطاعم والخدمات قد لا تكون متاحة بشكل كامل.
نصائح للزوار والمغتربين
إذا كنت في لبنان خلال الجمعة العظيمة الأرثوذكسية في عام 2026، فإليك بعض النصائح لتعيش التجربة باحترام وعمق:
- اللباس المحتشم: عند زيارة الكنائس للمشاركة في الجناز أو الصلاة، يجب ارتداء ملابس محتشمة ورصينة (تجنب الملابس القصيرة أو البهرجة الزائدة). يفضل ارتداء الألوان الداكنة تماشياً مع جو الحزن.
- التصوير: يُسمح عادة بالتصوير في الساحات الخارجية أثناء الزياحات، ولكن داخل الكنائس أثناء الصلاة، يُفضل الامتناع عن التصوير أو القيام بذلك بحذر شديد وبدون "فلاش" لتجنب إزعاج المصلين.
- المشاركة في الصلاة: حتى لو لم تكن من الطائفة الأرثوذكسية، يمكنك الدخول والوقوف بصمت. الكنيسة الأرثوذكسية في لبنان ترحب بالجميع. الوقوف هو السمة الغالبة في الصلوات الأرثوذكسية، لذا استعد للوقوف لفترات طويلة.
- تذوق التقاليد: جرب تناول الطعام الصامي اللبناني في هذا اليوم، فهو جزء من التجربة الثقافية.
- الهدوء: احترم السكينة التي تخيم على المناطق المسيحية؛ تجنب رفع صوت الموسيقى في السيارات أو القيام بنشاطات صاخبة.
أهمية المناسبة في النسيج الوطني اللبناني
تتجاوز الجمعة العظيمة الأرثوذكسية في لبنان البعد الديني البصرف لتصبح محطة للتلاقي الإنساني. ففي القرى المختلطة، يشارك المسلمون جيرانهم المسيحيين مشاعر الحزن والوقار، وأحياناً يشاركون في مسيرات الجناز كنوع من التضامن الاجتماعي والوطني. هذا العيش المشترك يتجلى في أبهى صوره خلال هذه المناسبات، حيث يحترم كل طرف خصوصية الآخر المقدسة.
في الختام، تظل الجمعة العظيمة الأرثوذكسية في April 10, 2026 يوماً للعودة إلى الذات، ولتجديد الإيمان بالقيم الإنسانية العليا التي جسدتها آلام المسيح من تضحية ومحبة وتسامح. إنها دعوة لكل لبناني، مقيماً كان أم مغترباً، للتأمل في معنى الألم والرجاء، في بلد لا يزال يبحث عن قيامته الدائمة من وسط الأزمات.
سواء كنت ستقضي هذا اليوم في كنيسة القديس نيقولاوس في الأشرفية، أو في دير سيدة البلمند العريق، أو في قرية هادئة في جبال لبنان، ستشعر بلا شك بأن هذا اليوم يحمل روحاً مختلفة، روحاً تجمع الأرض بالسماء في لحظة خشوع لا تُنسى. استعد لهذا اليوم منذ الآن، حيث لم يتبق سوى 97 يوماً على هذه الوقفة الروحية الكبرى في عام 2026.